بين الإعلان والتطبيق: اتفاق دمشق وقسد أمام اختبار الواقع


يتقدم ملف التفاهم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية خطوة إضافية إلى الواجهة، وسط تداخل واضح بين المسار السياسي والواقع الميداني، في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في شمال وشرق سوريا. فبينما يجري الحديث رسميًا عن اتفاق شامل لوقف إطلاق النار وبدء عملية دمج متدرجة، تكشف التصريحات المتلاحقة عن تباين في الرؤى وحدود متحركة للتفاهمات المعلنة.


وتؤكد الحكومة السورية أن الاتفاق ينص على وقف كامل لإطلاق النار، وانسحاب القوات من نقاط التماس، ودخول قوات أمن داخلي محدودة إلى مركزي الحسكة والقامشلي، بهدف تعزيز الاستقرار وبدء التطبيق العملي لعملية الدمج. وتشمل التفاهمات دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتثبيت الموظفين المدنيين، إضافة إلى تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، في إطار مسار يهدف إلى توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون.


في المقابل، شددت قيادات في قوات سوريا الديمقراطية على أن دخول القوات الأمنية الحكومية سيكون مؤقتًا ومحصورًا بالمربعات الأمنية، وأن القوى الأمنية المحلية ستواصل أداء مهامها داخل المدن والبلدات ذات الغالبية الكردية، مع العمل على دمجها تدريجيًا ضمن وزارة الداخلية السورية. وأكد القائد العام لقسد، مظلوم عبدي، أن الاتفاق لن يفضي إلى دخول الجيش السوري المدن والقرى الكردية، وأن حماية هذه المناطق ستبقى بيد قوى أمن محلية، مع بقاء المؤسسات الخدمية والإدارية في مواقعها خلال مرحلة الدمج.


وفي تصريحات متزامنة، عبّر عبدي عن دعوته الأهالي، ولا سيما في الحسكة، إلى العودة إلى منازلهم، مؤكدًا أن الحصار المفروض على كوباني سيتم رفعه، وأن الاتفاق يشمل أيضًا منطقتي عفرين ورأس العين. كما أعلن أنه لن يتسلم أي منصب حكومي، مشددًا على بقائه إلى جانب مجتمعه والعمل على تشكيل مرجعية سياسية للكرد في سوريا.


من جانبها، اعتبرت إلهام أحمد أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو الاستقرار، مشيدة بدور الدول والجهات الوسيطة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، في الوصول إلى هذا التفاهم. وأعربت عن أملها بأن تلعب هذه الأطراف دور الضامن لعملية الدمج، بما يضمن شراكة مسؤولة تحفظ كرامة جميع المكونات، وتفتح المجال أمام تنمية عادلة ومتوازنة، إضافة إلى تأمين العودة الآمنة والكريمة للنازحين، خصوصًا من عفرين ورأس العين.


لكن في موازاة هذا الخطاب المتفائل، تشير قراءات بحثية إلى أن تنفيذ الاتفاق يواجه تحديات كبيرة. فوفق تقديرات معهد الشرق الأوسط، يدرك الوسطاء أن المسار العملي لا يزال هشًا، في ظل بطء آليات اتخاذ القرار داخل قسد، ووجود اعتراضات من قيادات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، فضلًا عن تعقيدات تتعلق بطبيعة القوى المسلحة العشائرية الخارجة عن التسلسل القيادي الرسمي، رغم نجاح الحكومة السورية في استمالة عدد من العشائر.


وتكشف مواقف أخرى داخل مجلس سوريا الديمقراطية عن تباينات إضافية، حيث تحدث قياديون عن ضرورة الحفاظ على إدارة خاصة بالمناطق الكردية تشمل الجزيرة وكوباني وعفرين ورأس العين، ورفض دخول الجيش السوري إليها، مع التأكيد على أن النقاشات الجارية تتركز حاليًا على آلية التنسيق بين دمشق وقسد، وأن عددًا من التفاهمات لم يكتسب طابعًا رسميًا بعد، رغم وجود توجه عام نحو اتفاق أوسع.


دوليًا، تؤكد تصريحات قسد أن القوى الدولية ترحب بالاتفاق وتضمن مساره، مع الإشارة إلى دور أميركي فاعل في الضغط باتجاه إنجاح التسوية، في وقت يُنظر فيه إلى واشنطن باعتبارها الطرف الأكثر تأثيرًا في دفع العملية قدمًا.


في المحصلة، يبدو أن الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية دخل مرحلة الاختبار الفعلي، حيث لم يعد التحدي في صياغة التفاهمات، بل في القدرة على تنفيذها وسط توازنات معقدة ومصالح متشابكة. وبين التفاؤل الحذر والتحفظ الواقعي، يبقى مستقبل هذا المسار مرهونًا بما ستكشفه الأيام المقبلة على الأرض، لا بما يُعلن في التصريحات.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال