في تطور جديد على الساحة السورية بعد سنوات من النزاع، توصلت الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار وبدء عملية دمج تدريجية للمؤسسات العسكرية والإدارية، وسط ترحيب داخلي وخارجي واسع وأصوات تحفظ حول التنفيذ. أكد عبد الوهاب خليل، مسؤول مكتب العلاقات في “مجلس سوريا الديمقراطية”، أن الطرفين لديهما “الرغبة الجادة في تنفيذ هذه الخطوة التاريخية”، مشيراً إلى أن التدرج في تطبيق الاندماج يهدف لتأمين ظروف نجاحه، لكنه أقر بوجود “تحديات تنظيمية” في تنفيذ الاتفاق على الأرض.
الاتفاق الذي أعلن يوم الجمعة الماضي يقضي بوقف إطلاق النار بين دمشق وقسد، ودخول قوات الأمن التابعة للدولة إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، وتسلم الدولة لجميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر، كما يتضمن دمج عناصر “قسد” ضمن الجيش السوري بعد اجتياز اختبارات أمنية وضوابط محددة، وتشكيل ألوية من القوات المتكاملة في المشهد العسكري السوري.
على الصعيد الدبلوماسي، توافقت ردود الفعل الدولية على وصف هذه الخطوة بأنها “محطة تاريخية” و”جهد مهم نحو وحدة سوريا وسيادتها واستقرارها”. وزارة الخارجية السعودية رحّبت بالاتفاق معربة عن أملها في أن يسهم في السلام والأمن والاستقرار، فيما الأردن جددت موقفها الثابت في دعم الحكومة السورية وتعزيز وحدة أراضيها. وأكد مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأمريكية التزام الولايات المتحدة بـ”دعم التنفيذ الناجح للاتفاق التاريخي”، معتبرًا أن ذلك يصب في مصلحة الشعب السوري بأكمله. حضر الدعم أيضاً من فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وكندا والاتحاد الأوروبي، الذي دعا إلى تنفيذ الاتفاق “بحُسن نية” واحترام التزامات حماية المدنيين وتوسيع نطاق وصول المساعدات الإنسانية.
ولم تقتصر ردود الفعل على المجتمع الدولي، فقد رحّبت مصر في بيان رسمي من وزارة خارجيتها بالاتفاق، مؤكدة على “أهمية الحفاظ على وحدة سوريا ودعم مؤسساتها الوطنية ورفض أي تدخلات خارجية تمس سيادتها”. وأعربت القاهرة عن أملها في أن يشكل الاتفاق خطوة نحو عملية سياسية شاملة تشمل جميع المكونات السورية دون إقصاء.
بدورها، الخارجية السورية اعتبرت الاتفاق استكمالاً لخطوات اتفاق سابق تم توقيعه في 10 آذار الماضي، مبينة أن هذا التوافق يأتي في إطار “توحيد الأراضي السورية ومنع أي شكل من أشكال التقسيم”، وأن دمج “قسد” سيكون وفق آليات محددة تشمل تكوين ثلاث ألوية في الحسكة والقامشلي بعد اجتياز العناصر لامتحانات أمنية. وأوضح مدير الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية محمد طه أحمد أن دمج القوات والإدارة المحلية يتم وفقاً للقانون السوري وإجراءات منتظمة، مع التأكيد على أن الأمن والاقتصاد يجب أن يكونا تحت مظلة الدولة السورية ومن دون أي محاولات انفصالية.
وأكد المسؤول السوري في تصريحاته أن تنفيذ الاتفاق سيُدار عبر أربع مراحل تنفيذية تشمل الجانب العسكري والأمني ثم الإداري والمدني، مع جداول زمنية واضحة، وأن أي تأخير في التطبيق قد يؤدي إلى المزيد من الخسائر. كما أشار إلى أن تنفيذ بند إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) سيتم بالتنسيق مع الدول المجاورة، وأن القوات السورية هي التي تتحمل مسؤولية الأمن بعد الاتفاق.
يبقى التحدي الأكبر في تنفيذ هذه التفاهمات على الأرض وسط مخاوف من بطء التطبيق وخروقات محتملة في بعض المناطق، مما يعيد إلى الواجهة تساؤلات حول قدرة الأطراف على الالتزام الكامل ببنود الاتفاق في ظل تعقيدات الواقع السوري بعد سنوات من النزاع الطويل.
