تطورات ميدانية متسارعة تهز الشمال والشرق السوري


بينما تنصرف الأنظار في العاصمة دمشق نحو تفاصيل الاتفاق السياسي الجديد، ومحاولتها تثبيت ملامح إدارتها القادمة، يبدو أن جغرافياً الأطراف قررت كتابة رواية أخرى بعيدة عن طاولات التفاوض. فالمشهد السوري اليوم يعيش انقساماً في الإيقاع، هدوءاً حذراً في المركز المشغول بترتيب أوراقه، وانفجاراً دراماتيكياً في الشرق والشمال يعيد خلط الحسابات الدولية والميدانية بشكل غير مسبوق.


في قلب هذا المشهد، برز التطور الأبرز ببدء انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة "التنف" الاستراتيجية. هذا التحرك، الذي ينهي سنوات من الاستعصاء عند مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية، يفتح الباب أمام الدولة السورية لاستعادة منطقة كانت تُعد "ثقباً أسود" في السيادة الوطنية. غير أن هذا الانسحاب لا يمر دون ارتدادات؛ إذ يضع المنطقة أمام تحدي ملء الفراغ الأمني قبل أن يتحول إلى ساحة لصراعات جانبية بين القوى المحلية المتربصة.


وعلى وقع هذا الانسحاب، انتقل التوتر بحدة إلى مناطق نفوذ "قوات سوريا الديمقراطية"، التي وجدت نفسها أمام ضغوط مزدوجة، سياسية تمثلت في تصريحات تركية حازمة تطالب بإنهاء "هدر الموارد" في الأنفاق العسكرية وتحويلها لرفاه الشعب، وميدانية تجلت في أحداث دموية هزت ريف منطقة "عين العرب" (كوباني). حيث سادت حالة من الصدمة عقب أنباء عن تنفيذ عمليات إعدام ميدانية بحق معتقلين فور صدور قرار بإخلاء سبيلهم، ما يعكس حالة من التخبط الأمني التي تعيشها تلك المناطق.


تزامن ذلك مع استنفار في مدينة الحسكة، التي لم تكن بعيدة عن هذا الغليان، حيث فُرض حظر تجوال ليلي لضبط الحالة الأمنية المترنحة. هذا الإجراء يعكس في باطنه مخاوف حقيقية من خروج الأمور عن السيطرة مع تآكل الدعم الدولي وتغير خارطة النفوذ.


إن سوريا اليوم تقف أمام واقعين، مركز يحاول لملمة أوراقه الاقتصادية والسياسية في دمشق، وأطراف في الشمال والشرق تعيش مخاضاً أمنياً عسيراً تحت وطأة الانسحابات الدولية والتوترات المحلية. ويبقى السؤال المعلق في أذهان الجميع: هل ستنجح الدولة في مد جسور سيادتها نحو تلك الأطراف المشتعلة، أم أن عواصف الشرق ستكون أسرع من خطوات السياسة؟

أحدث أقدم

نموذج الاتصال