تشهد الساحة السورية حراكاً واسعاً يتقاطع فيه المسار القانوني بالجهد الميداني، في محاولة لطي ملفات النزوح والاعتقال التي خلفتها سنوات الحرب. فبين صدور مرسوم العفو العام الأخير، والتحركات الحكومية لإنهاء ظاهرة المخيمات، يبدو أن هناك توجهاً لترميم الجسور مع السوريين في الداخل والخارج عبر خطوات ملموسة تتجاوز الوعود النظرية.
لقد جاء مرسوم العفو الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع ليشكل حجر زاوية في هذه المرحلة، حيث شمل مجموعة واسعة من العقوبات والجنايات، مع التركيز على الجوانب الإنسانية لكبار السن والمرضى. لكن النقطة الأبرز كانت في الوضوح الذي ميز الاستثناءات؛ إذ استبعد المرسوم مرتكبي الانتهاكات الجسيمة وجرائم التعذيب، وهي إشارة قوية نحو بناء نظام قضائي يفرق بين التسامح مع المخالفات وبين المحاسبة على الجرائم الكبرى بحق السوريين. هذا الوضوح القانوني يهدف بالدرجة الأولى إلى طمأنة المهجرين واللاجئين الذين كانت تلاحقهم أحكام قضائية، مما يمهد الطريق لعودة آمنة دون خوف من الاعتقالات التعسفية.
وعلى الأرض، بدأت السلطات السورية معالجة واحد من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، وهو ملف مخيم الهول. ومع وصول القوافل الأولى من النساء والأطفال إلى ريف حلب الشمالي تحت إشراف الأمن الداخلي، تنتقل إدارة هذا الملف من العزل العسكري إلى الرعاية الحكومية المباشرة. الخطة لا تقتصر على النقل المكاني فحسب، بل تمتد لتشمل برامج إعادة تأهيل اجتماعي وتعليمي وصحي، تهدف إلى دمج هؤلاء الأطفال والنساء في مجتمعهم مجدداً وتخليصهم من إرث سنوات من الإهمال والظروف القاسية التي عاشوها.
هذا الحراك الميداني يتصل مباشرة بجهود أخرى تبذل في دمشق لإنهاء مأساة المخيمات شمالي البلاد. ففي ظل وجود أكثر من مليون نازح يعانون وطأة الشتاء في خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة، تتجه الحكومة نحو تسريع خطط تأهيل البنية التحتية في المدن والبلدات المتضررة في إدلب وحلب وحماة. الهدف هو تحويل هذه المناطق إلى بيئات صالحة للحياة الكريمة، ليكون خيار العودة إلى المنازل متاحاً وواقعياً للنازحين، بدلاً من البقاء في مخيمات أرهقتها الفيضانات والبرد.
تترافق هذه الخطوات الداخلية مع بوادر انفراجة في العلاقات الدولية، تمثلت في تخفيف كندا لبعض عقوباتها الاقتصادية لتسهيل التعافي، ومساعي سوريا لتنقية سجلها في الأمم المتحدة بخصوص حماية الأطفال. إن تضافر هذه العوامل—من العفو القانوني إلى تأهيل المخيمات وإعادة بناء الخدمات—يرسم ملامح مرحلة يسعى فيها السوريون لاستعادة الاستقرار، وإغلاق الثغرات التي استنزفت المجتمع لسنوات طويلة، في انتظار أن تترجم هذه الخطط إلى واقع يلمسه كل من ينتظر العودة إلى منزله.
