سوريا الجديدة: حراك في ميونخ وتنسيق في إسطنبول


تشهد الساحة السورية حراكاً دبلوماسيلاً وسياسياً متسارعاً يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية ومساعي الأطراف المختلفة لترتيب أوراقها في ظل المتغيرات الكبرى التي شهدتها البلاد. فبينما تتجه الأنظار نحو مؤتمر ميونخ للأمن واللقاءات الدولية الجانبية، تبرز ملامح جديدة للتحالفات الداخلية والخارجية، وسط قراءات دقيقة لمستقبل النفوذ الدولي في سوريا التي بدأت تخطو أولى خطواتها نحو الاستقرار الدائم.

في هذا السياق، جاءت تصريحات إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في "الإدارة الذاتية"، لتضع حداً للكثير من التكهنات حول مستقبل القيادة العسكرية لمظلوم عبدي، مؤكدة أنه لن يتولى أي مناصب رسمية في التشكيلات السياسية أو الإدارية القادمة. وهو تصريح يحمل في طياته إشارات إلى رغبة في إعادة هيكلة العلاقة بين المسارين العسكري والمدني، وتقديم رسائل طمأنة حول شكل الحكم المستقبلي في مناطق شمال وشرق سوريا ضمن إطار الدولة السورية الموحدة.

وعلى الصعيد الدولي، برزت المواقف الأمريكية بوضوح من خلال السيناتور جين شاهين، التي كشفت عن الأسباب الاستراتيجية وراء رفع عقوبات "قيصر" عن مناطق محددة، موضحة أن هذا التحرك يهدف بشكل أساسي إلى تمكين المجتمعات المحلية من مواجهة خطر تنظيم "داعش" من جهة، والحد من تمدد النفوذ الإيراني والروسي من جهة أخرى. هذا التوجه الأمريكي يتوازى مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الذي وصف ما تحقق في سوريا حتى الآن بأنه "إيجابي جداً"، في إشارة إلى الرضا الدولي عن مسار الأحداث الراهنة والنتائج التي أفرزتها التحركات الأخيرة على الأرض.

وفي خضم هذا الحراك، استثمرت القوى السياسية الوطنية السورية منصة مؤتمر ميونخ للأمن لإيصال رؤية سوريا الجديدة، حيث أجرى هادي البحرة سلسلة لقاءات مكثفة ركزت على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومنع أي مشاريع قد تهدد تماسك البلاد. البحرة أكد في لقاءاته على أهمية تفعيل المسار السياسي كضمانة وحيدة لمنع الفوضى، مشدداً على أن استقرار المنطقة يبدأ من رؤية وطنية شاملة تنهي عهود الاستبداد وتضمن حقوق السوريين كافة.

وفي زاوية أخرى من المشهد، لا يزال التنسيق التقني حاضراً في بعض الملفات، حيث شهدت مدينة إسطنبول مباحثات بين جهات سورية وروسية تركزت على تعزيز التعاون في مجالات النقل والخدمات اللوجستية. هذا التحرك يشير إلى محاولة تأمين ممرات اقتصادية وشبكات إمداد حيوية تخدم احتياجات المرحلة القادمة، بعيداً عن التجاذبات السياسية المعقدة، وفي إطار السعي لتنشيط الدورة الاقتصادية للبلاد.

بين هذه المسارات المتباينة، يبدو أن الملف السوري دخل مرحلة "تثبيت الأركان"، حيث تسعى القوى الوطنية المدعومة دولياً إلى تحويل المكتسبات الميدانية إلى استقرار سياسي ومؤسساتي، بينما تحاول القوى الكبرى موازنة مصالحها لضمان عدم عودة التطرف واحتواء النفوذ الخارجي، في ظل ترقب لما ستسفر عنه الأيام القادمة من تفاهمات كبرى تضع سوريا على سكة التعافي الشامل.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال