زار وفد من وزارة الدفاع السورية، يوم الجمعة، محافظة الحسكة، حيث عقد لقاءات مع قادة قوات سوريا الديمقراطية، في خطوة تعكس تحركًا رسميًا مباشرًا لمعالجة ملف شمال شرقي سوريا، في توقيت يشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة على المستويين الإقليمي والدولي.
ووفق بيان صادر عن هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، أجرى الوفد لقاءً مع عدد من القادة والضباط، تلاه جولة ميدانية شملت عدة مناطق ومواقع داخل المحافظة، وذلك برفقة ممثلين عن “قسد”. وأشار البيان إلى أن اللقاءات والجولة اتسمت بأجواء إيجابية، وعكست تقدمًا عمليًا في مسار التفاهمات القائمة.
وبحسب الهيئة، فإن هدف اللقاء والجولة الميدانية هو البدء بتطبيق الاتفاق المبرم بين الدولة السورية و”قسد” على الأرض، حيث جرى التوافق على مراحل زمنية محددة للشروع في تنفيذ بنود الاتفاق خلال الأيام القليلة المقبلة، في مؤشر واضح على انتقال الملف من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التنفيذ الميداني.
ويشمل الاتفاق انسحاب القوات من المناطق المدنية إلى نقاط عسكرية محددة، وفتح الطرقات، والتعاون في تفكيك الألغام وإزالة السواتر، إلى جانب تسريع عملية الاندماج، بما يهدف إلى تثبيت الاستقرار الأمني ومنع أي فراغ قد يؤدي إلى تصعيد جديد في المنطقة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تركيز حكومي متزايد على ملف شمال شرقي سوريا باعتباره أولوية أمنية وسياسية، لا سيما مع تعقيد المشهد الميداني وتشابكه مع عوامل إقليمية ودولية.
دوليًا، لا يمكن فصل هذه الخطوة عن الحراك الدبلوماسي الذي تشهده دمشق، وخصوصًا مع الجانب الفرنسي، الذي أبدى اهتمامًا بملف شمال شرق سوريا ضمن مقاربة تركز على الاستقرار ومنع عودة الفوضى. الانفتاح الأوروبي الحذر يضع هذا الملف ضمن حسابات أوسع تتعلق بمستقبل التسوية السياسية، ويمنح التحركات الميدانية بعدًا يتجاوز الإطار المحلي.
إقليميًا، برزت خلال الفترة الماضية اتصالات ساهمت في احتواء التوترات ومنع انزلاق المنطقة إلى صدامات داخلية ذات طابع قومي، وهو ما وفّر بيئة مهدت لفتح قنوات حوار مباشرة بين الأطراف المعنية، وأعطى زخماً إضافياً للتحركات الأخيرة في الحسكة.
في المقابل، تتابع تركيا هذه التطورات بحذر، في ظل ربطها أي تغيير في وضع “قسد” بملف أمنها القومي، وبما تعتبره ضرورة معالجة مصادر التهديد على حدودها الجنوبية ضمن أي ترتيبات مستقبلية.
أما الولايات المتحدة، فإن الحديث المتكرر عن إعادة تموضع أو تقليص الوجود العسكري الأميركي في بعض مناطق شمال شرق سوريا يضيف عامل ضغط إضافيًا على جميع الأطراف. هذا الاحتمال يدفع نحو تسريع الاتصالات، والسعي لتثبيت تفاهمات قبل أي تغير مفاجئ في المشهد الميداني.
في المحصلة، تمثل زيارة وفد وزارة الدفاع السورية إلى الحسكة مؤشرًا عمليًا على دخول ملف شمال شرقي سوريا مرحلة جديدة من المعالجة، تقوم على الحوار المباشر ومحاولة إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والقوى المسيطرة على الأرض. ورغم أن الطريق لا يزال مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، إلا أن ما جرى الجمعة يعكس بوضوح أن الجمود السابق بدأ يتراجع لصالح مقاربات أكثر مباشرة وحساسية للواقع القائم.
