مظلوم عبدي يضع أوراق "قسد" على طاولة الدولة السورية


منح مظلوم عبدي الشارع السوري انطباعاً واضحاً بأن الصفحة العسكرية لـ "قسد" قد طُويت بالفعل، ليبدأ مرحلة التفاوض على شكل الخروج وآلية الاندماج. لم تعد التساؤلات تدور اليوم حول ما إذا كانت القوات الكردية ستنضم إلى الجيش السوري أم لا، بل كيف ومتى ستكتمل هذه العملية التي حُدد لها سقف زمني لا يتجاوز نهاية شهر آب الجاري.


تُترجم زيارة الوفد الكردي رفيع المستوى إلى العاصمة دمشق، برئاسة عبدي وإلهام أحمد، هذا التحول العملي؛ فاللقاءات المرتقبة مع المسؤولين السوريين تأتي لوضع اللمسات الأخيرة على تحول قوات "قسد" إلى ألوية رسمية تابعة لوزارة الدفاع. والصيغة المطروحة لا تعني ذوبان هذه القوات بالكامل بقدر ما تعني إعادة ترتيب هيكليتها، بحيث يحتفظ المقاتلون والقادة الأكراد بتمركزهم في مناطقهم الأصلية بالقامشلي والحسكة والمالكية وعين العرب، لتأدية مهامهم تحت مظلة المؤسسة العسكرية الرسمية.


هذا المسار المتسارع لم يأتِ من فراغ، بل رسمته مراجعات شجاعة وصريحة أعلن عنها عبدي نفسه، حين اعترف بأن أكبر أخطائه السياسية كانت المماطلة في تنفيذ اتفاق آذار السابق. وتزامن هذا الاعتراف السياسي مع مراجعات عسكرية داخلية شملت المحاسبة على الإخفاقات والانسحابات الأخيرة، خصوصاً في حي الشيخ مقصود. ويبدو أن قيادة "قسد" أدركت أن التمسك بالصيغة القديمة لم يعد ممكناً، فضلت الذهاب نحو اتفاق يجنب المنطقة خيار الحرب ويحفظ الحد الأدنى من المكتسبات.


وعلى الأرض، فرضت التطورات العسكرية واقعاً جديداً سبَق التفاوض السياسي؛ إذ حُسم ملف النفط بشكل كامل عبر تسليم الحقول الرئيسية في رميلان والسويدية إلى وزارة النفط السورية للتعامل معها ومع الشركات العاملة فيها بشكل رسمي. وتتركز النقاشات الحالية على كيفية تخصيص ميزانيات تنموية لمحافظة الحسكة لتعويض عقود من الإهمال، إلى جانب حسم ملف التعليم ولغة التدريس، حيث يُصرّ الجانب الكردي على تثبيت اللغة الكردية كلياً إلى جانب العربية في المناهج الرسمية، وهو ما شُكلت لأجله لجان مختصة لبحث تفاصيله.


تتحرك هذه الملفات المعقدة في ظل واقع إقليمي ودولي جديد؛ فالدعم الأميركي المباشر لـ "قسد" أصبح من الماضي بعد انتهاء الذريعة العسكرية المرتبطة بالحرب على تنظيم "داعش". وفي المقابل، أدى التراجع الأميركي إلى فتح قنوات تواصل مباشرة وأكثر هدوءاً مع أنقرة لتثبيت وقف إطلاق النار، إلى جانب استمرار الدعم السياسي الفرنسي، والاعتماد الكبير على العلاقات المتميزة مع إقليم كردستان العراق لدعم مرحلة الاستقرار وإعادة الإعمار المقبلة.


ومع اقتراب غياب الاسم العسكري لـ "قسد"، ينصب التركيز الآن على ملء الفراغ السياسي المرتقب عبر تشكيل مرجعية أو حركة كردية جامعة تتولى النضال السلمي والدستوري من داخل العاصمة دمشق. يراهن الكرد اليوم على أن التحول إلى جزء من الدولة السورية الجديدة، القائمة على اللامركزية والاعتراف المتبادل، هو الضمان الحقيقي الوحيد لاستدامة حقوقهم، بعيداً عن تقلبات التحالفات الدولية ولغة السلاح.


ختاماً، تُظهر هذه التحركات أن الشمال السوري مقبل على خارطة سياسية وعسكرية جديدة، تتركز على الانتقال من منطق الفصائلية والسلاح إلى إطار المؤسسات الرسمية للدولة. ويبقى الرهان الحقيقي في المرحلة القادمة مدى نجاح الطرفين في ترجمة هذه التفاهمات الشاملة إلى واقع ملموس يحفظ حقوق المكونات السورية ويُجنّب المنطقة أهوال صراع جديد.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال