تشهد الساحة الإقليمية والدولية تحولاً بارزاً في التعاطي مع الملف السوري، تجلى بوضوح في المشاركة الفاعلة لوفد سوري رفيع المستوى في اجتماعات "التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة" بالعاصمة الإيطالية روما. ولم تقتصر هذه المشاركة على الحضور الدبلوماسي، بل عكست إقراراً دولياً بالدور المحوري لدمشق في ترسيخ الاستقرار ومكافحة الإرهاب بعد مرحلة من التغييرات السياسية والأمنية الجوهرية.
وقد أشاد التحالف الدولي لمكافحة "تنظيم الدولة" (داعش) بجهود الحكومة السورية للحد من خطر التنظيم، وذلك في بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية الأميركية عقب اجتماع كبار مسؤولي التحالف برئاسة مشتركة بين الولايات المتحدة وإيطاليا. وأكد المشاركون في الاجتماع أهمية وجود شريك في دمشق يدرك طبيعة التهديد ويملك العزيمة الصارمة للعمل التكاملي مع التحالف. وفي إطار ترجمة هذا الدعم إلى خطوات عملية، تعهدت دول التحالف بتقديم أكثر من 75 مليون دولار أميركي لتلبية الاحتياجات السورية في مجال مكافحة الإرهاب، وتعزيز القدرات الاستيعابية لمراكز الاحتجاز، ودعم خدمات الصحة والصرف الصحي، بالإضافة إلى مساندة النازحين والمحتجزين في كل من سوريا والعراق.
وتأتي هذه الإشادة الدولية متزامنة مع تراجع حاد وملموس في النشاط الميداني للتنظيم؛ إذ تظهر البيانات الميدانية انخفاضاً غير مسبوق في الهجمات. فبعد أن سجلت العمليات الإرهابية ذروتها في عام 2024 ب أرقام تراوحت بين 600 و700 عملية، وانخفضت في عام 2026 إلى أدنى مستوياته منذ نشأة التنظيم عام 2013، حيث اقتصرت التحركات على حوادث معدودة. ويعزى هذا الانحسار الكبير إلى خطط أمنية محكمة اعتمدتها الجهات المختصة، إلى جانب خطوات إعادة الانتشار والاندماج الهيكلي التي ساهمت في تفكيك البنية العسكرية للتنظيم وتجفيف منابعه الفكرية.
يرى مراقبون وباحثون سياسيون أن الحضور السوري في روما، بقيادة قيادات أمنية واستخباراتية، يمثل رسالة قوية تؤكد استعادة سوريا لمكانتها كدولة فاعلة قادرة على تولي مسؤولياتها الأمنية. كما يرسخ هذا التطور قدرة المؤسسات الوطنية على ملء الفراغ الميداني الناجم عن أي انسحابات للقوات الخارجية من القواعد العسكرية. إلى جانب ذلك، تحمل هذه المشاركة دلالات سياسية قاطعة بخصوص رفض المجتمع الدولي لأي مشاريع تقسيمية أو نداءات انفصالية، والتأكيد على أن وحدة الأراضي السورية وتعزيز السلم الأهلي هما الركيزة الأساسية لمنع عودة الإرهاب وضمان استقرار المنطقة برمتها.
