شهدت العاصمة الروسية موسكو، مساء الثلاثاء، لقاءً رفيع المستوى جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوزيري الخارجية والدفاع السوريين، أسعد الشيباني ومرهف أبو قصرة، إلى جانب وفد من كبار مسؤولي الاستخبارات السورية. الزيارة، التي وُصفت بـ"المثمرة"، تناولت ملفات سياسية وعسكرية واقتصادية، وأكدت دخول العلاقات بين دمشق وموسكو مرحلة جديدة بعد سقوط النظام السابق أواخر العام الماضي.
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوضح أن المحادثات بين بوتين والشيباني ركزت على تطوير التعاون الثنائي ومناقشة الوضع في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الجانب السوري أعرب عن استعداده لتعميق التعاون مع روسيا. كما جدد لافروف تأكيد التزام موسكو بسيادة سوريا ووحدة أراضيها.
من جانبه، شدد الشيباني على أن العلاقات السورية الروسية "تدخل مرحلة جديدة بعد التخلص من تبعات المرحلة السابقة"، مؤكداً أن دمشق تسعى لنقل العلاقة مع موسكو إلى مستوى إستراتيجي يخدم مصالح البلدين، سواء في تعزيز عملية السلام أو في إعادة الإعمار.
التعاون العسكري والاقتصادي
بحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أولت المحادثات اهتماماً خاصاً بالشراكة العسكرية والتقنية، بما يشمل نقل الخبرات الفنية والتعاون في مجالات البحث والتطوير لتعزيز منظومة الدفاع الوطني السوري. كما عقد وزير الدفاع أبو قصرة لقاءً منفصلاً مع نظيره الروسي أندريه بيلوسوف، بحث خلاله سبل تحديث الجيش السوري وتطوير التعاون العسكري المشترك.
وفي الجانب الاقتصادي، ناقش الطرفان آفاق توسيع التعاون التجاري والاستثماري، بما يشمل مشاريع إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية وتشجيع الاستثمارات الروسية في سوريا. وأكد الشيباني أن العلاقات الاقتصادية ستواصل التطور استناداً إلى الأسس المتينة التي وُضعت على مدى العقود الماضية، مع التركيز على مشاريع الطاقة وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة.
أبعاد سياسية وإستراتيجية
المحللون الروس اعتبروا الزيارة علامة فارقة في بناء علاقات الكرملين مع السلطات السورية الجديدة، إذ يرى الخبير أندريه أونتيكوف أن هذه الخطوة تأتي ضمن سياسة الانفتاح السورية لضمان الدعم السياسي الروسي في مواجهة الضغوط الغربية، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الولايات المتحدة. وأضاف أن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها تشير إلى بزوغ مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، وتفتح آفاقاً واسعة للتعاون في مختلف المجالات.
أما الخبير في العلاقات الدولية ديمتري كيم، فأكد أن تركيز الجانبين على تعزيز التعاون العسكري وتحديث الجيش السوري يعكس رغبة موسكو في الإبقاء على قواعدها العسكرية في حميميم وطرطوس، مقابل تقديم الدعم التقني والخبرات اللازمة. كما أشار إلى أن رفع العقوبات عن سوريا خلق أولويات جديدة في العلاقات الثنائية، أبرزها إعادة بناء البنية التحتية وجذب الاستثمارات الروسية.
استمرار الشراكة رغم التغيير
ورغم الإطاحة بالنظام السابق الذي كان مدعوماً من روسيا، فإن القيادة الجديدة في دمشق أكدت التزامها باحترام الاتفاقيات السابقة، بما في ذلك وضع القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس. ويرى مراقبون أن هذه الزيارة عززت اعتراف موسكو بالسلطات الجديدة كشريك شرعي، وأكدت أن الشراكة الإستراتيجية طويلة الأمد لا تتأثر بتغيير النظام السياسي.
بهذا، تبدو العلاقات السورية الروسية مقبلة على عهد جديد، يتسم بتوازن سياسي وانفتاح اقتصادي، مع استمرار التعاون العسكري، في مشهد يعكس حرص الطرفين على الحفاظ على الزخم التاريخي الذي ميز علاقاتهما لعقود، وإعادة صياغة دور موسكو كضامن للاستقرار الإقليمي.
