بين دمشق وقسد … اتفاقات متعثرة وخروقات متكررة


تشهد الساحة السورية منذ أيام سلسلة تطورات متلاحقة، تتوزع بين قرارات سياسية وتحركات أمنية وخطوات اقتصادية ومواقف دولية ومحلية، لتؤكد أن البلاد ما زالت تعيش على وقع التوازنات الهشة بين الداخل والخارج. فقد أعلنت وزارة الدفاع السورية عن تمديد مهلة وقف إطلاق النار في مناطق التوتر، خطوة تهدف إلى إعطاء فرصة إضافية للمفاوضات وتجنب التصعيد، فيما كشفت تقارير أن الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية وافقتا على هذا التمديد، ما يعكس وجود تفاهمات ميدانية بين الطرفين ولو بشكل محدود، وسط ضغوط دولية وإقليمية لتجنب انفجار جديد.  


مصادر متابعة أوضحت أن قرار التمديد يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الضغوط الدولية والحاجة لإعادة ترتيب الأوراق سياسياً وعسكرياً، إضافة إلى الملف الاقتصادي الذي يفرض نفسه بقوة، خصوصاً مع إعلان المؤسسة السورية للبترول بدء استخراج النفط من حقول جديدة سيطرت عليها الحكومة مؤخراً. هذه الخطوة تحمل أبعاداً استراتيجية، إذ تسعى دمشق إلى تعزيز مواردها المالية في ظل العقوبات والأزمة الاقتصادية المستمرة، ويرى مراقبون أن السيطرة على هذه الحقول قد تعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في البلاد، خصوصاً أن النفط كان أحد أبرز مصادر التمويل المتنازع عليها بين القوى المختلفة.  


على الصعيد الأمني، كشفت تقارير عن جسر جوي أميركي لنقل نحو 500 عنصر من تنظيم داعش يومياً من سوريا إلى العراق، فيما تحدثت مصادر أخرى عن ست مروحيات أميركية تنقل معتقلي التنظيم من الحسكة إلى قواعد في العراق. هذه المعلومات أثارت جدلاً واسعاً، إذ اعتبرتها بعض الأطراف دليلاً على استمرار استخدام ملف داعش كورقة ضغط إقليمية ودولية، بينما يرى آخرون أنها جزء من ترتيبات أمنية معقدة تتعلق بإدارة ملف المعتقلين والمسلحين في المنطقة.  


الخارجية الأميركية شددت عبر تصريحات لقناة العربية على أنها تريد سوريا موحدة لا تستغلها أطراف خبيثة، وهو موقف يعكس رغبة واشنطن في التأكيد على وحدة الأراضي السورية مع التحذير من محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية استغلال الانقسامات الداخلية لتحقيق مصالحها الخاصة. وفي الداخل، أعلنت قبيلة شمر التزامها بوحدة سوريا، مؤكدة رفضها لأي مشاريع تقسيم أو استغلال، وهو موقف يضيف بعداً اجتماعياً وسياسياً يعكس رغبة مكونات محلية في الحفاظ على وحدة البلاد رغم الانقسامات.  


هيئة عمليات الجيش السوري أكدت أن التمديد لوقف إطلاق النار يأتي في إطار الحفاظ على الاستقرار ومنع استغلال الوضع من قبل أطراف خارجية، مشيرة إلى أن الجيش يراقب التطورات عن كثب ويحتفظ بحق الرد على أي خرق. وفي هذا السياق، أعلن الجيش السوري أن قوات سوريا الديمقراطية خرقت الاتفاق في عين العرب عبر أكثر من 25 مسيّرة انتحارية استهدفت مواقع الجيش ودمرت آليات وأدت إلى إصابة مدنيين، كما تحدثت تقارير عن مقتل 11 جندياً سورياً في اليوم الأول من وقف إطلاق النار نتيجة هجمات مشابهة بطائرات مسيّرة وقصف مدفعي، إضافة إلى تبادل الاتهامات بخرق الهدنة في الحسكة ومحيط معبر اليعربية.  


وفي خضم هذه التطورات، برزت تصريحات وتسريبات هامة تكشف عمق التباين بين الأطراف. فقد وجّه المبعوث الأمريكي توم باراك خلال لقاءات في دمشق تحذيراً إلى القيادية في قسد فوزة يوسف، مؤكداً أن الدعم العسكري الأمريكي لن يستمر إلى الأبد وداعياً التنظيم إلى الخضوع للحكومة السورية، لكن يوسف ردّت بلهجة حادة بأن هذا شأن داخلي لا يخص واشنطن، ما دفعه إلى مغادرة الاجتماع. هذا الموقف أظهر أن قسد وقعت في حسابات خاطئة بشأن استمرار الدعم الأمريكي. وفي تعليق على اتهامات قسد بالخيانة، أوضح جيمس جيفري المبعوث الأميركي السابق أن العلاقة مع الأكراد كانت مؤقتة وتكتيكية، قائمة فقط على القضاء على داعش، ولم تكن أبداً وعداً بحماية طويلة الأمد أو دعم قيام كيان كردي.  


على صعيد الاتفاقات، كشف روهيلات عفرين القيادي في قسد أن النقاشات ما زالت مستمرة حول تعديل اتفاق 18 كانون الثاني، مشيراً إلى أن أهم نقطة خلاف هي مسألة القوى العسكرية، حيث تطلب الحكومة انضمام عناصر قسد إلى الجيش بشكل فردي، بينما يرفض الأكراد ذلك ويطالبون بوجود قوة كردية مؤسساتية تعمل ضمن تنسيق مشترك مع الجيش أو الحكومة. أما مظلوم عبدي فقد أكد أن فترة الهدنة ستُستغل لتحقيق تقدم عملي في اتفاق 18 كانون الأول، وأن هناك تفاهمات على أمور عديدة منها اقتراح أسماء لتولي مناصب حكومية مثل مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، لكنه أوضح أن القائمة النهائية لم تُحسم بعد. وأضاف أن أي اتفاق سيشمل جميع المناطق الكردية، وأن عين العرب ستقود المرحلة المقبلة مع ضمان عدم دخول القوات الحكومية إلى القرى الكردية هناك، وهو ما وافقت عليه دمشق تقديراً لحساسية الموضوع. كما شدد على أن أي إخلال بالاتفاق سيواجه بمقاومة أشد بعشر مرات من مقاومة عام 2014.  


في المقابل، أكد مدير الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية محمد طه الأحمد رفض دمشق اندماج قسد كألوية داخل الجيش العربي السوري، مشيراً إلى أن هذا الطرح غير مقبول وأن الانضمام يجب أن يكون فردياً وتحت مظلة الجيش الوطني الموحد.  


بهذا المشهد، يتضح أن المفاوضات بين دمشق وقسد ما زالت محاطة بالتوتر والشكوك، وأن المواقف الأميركية المتذبذبة تزيد من تعقيد الحسابات الكردية، فيما تحاول الحكومة السورية فرض رؤيتها على شكل العلاقة المستقبلية، لتبقى البلاد أمام معادلة صعبة تجمع بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل، وبين هدوء هش وخروقات متكررة تهدد أي تفاهم سياسي أو عسكري.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال