تشهد الساحة السورية، ولا سيما في الشمال الشرقي، لحظة شديدة الحساسية تتقاطع فيها مسارات عسكرية وأمنية وسياسية، في ظل تعثر تنفيذ اتفاق 18 كانون الثاني المتعلق بدمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية، ومع اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار الذي فُرض كإجراء مؤقت لتفادي انفجار ميداني واسع. هذا التعثر أعاد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل “قسد”، ودور تركيا، وحدود الحضور الأميركي، ومصير ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية، وهي ملفات باتت مترابطة إلى حد يصعب فصل أحدها عن الآخر.
من الجانب السوري الرسمي، تؤكد دمشق أن مقاربتها للملف لم تكن أمنية صِرفة، بل سياسية ــ سيادية في آن واحد، حيث ترى أن “قسد” لم تُقابل المرونة التي أبدتها الدولة بخطوات عملية، رغم المهل والعروض المقدمة. وتُصرّ الحكومة السورية على أن الاعتراف بحقوق المكون الكردي ليس موضع نقاش أو مساومة، معتبرة أن هذه الحقوق مثبتة قانونيًا وسياسيًا، سواء في الخطاب الرسمي أمام الأمم المتحدة أو عبر تشريعات داخلية مثل المرسوم رقم 13 الذي أكد الحقوق التعليمية والثقافية. في المقابل، تتهم دمشق “قسد” بمحاولة استثمار المخاوف المحلية والإقليمية لحشد القوى وفتح الباب أمام تدخلات خارجية، بدل الانخراط الجدي في مسار الاندماج ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة.
هذا الموقف يتقاطع جزئيًا مع القراءة التركية للمشهد، وإن اختلفت الدوافع واللغة. فأنقرة ترى أن ما يجري في شمال سوريا ليس حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات كانت متوقعة، خاصة في ظل بنية عشائرية هشّة، وظروف اقتصادية وأمنية قابلة للانفجار. وتؤكد تركيا أنها على تواصل طويل الأمد مع العشائر في المنطقة، وأن لديها تصورًا واضحًا للمسارات المحتملة في حال لم يُطبَّق الاتفاق المبرم في كانون الثاني. وفي هذا السياق، تشدد أنقرة على أن وحدات الحماية الشعبية تمثل امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، وأن القرار النهائي لا يصدر عن القيادات المحلية بقدر ما يُنقل من بنية تنظيمية أوسع، وهو ما يجعل أي اتفاق، برأيها، هشًّا ما لم يُترجم إلى خطوات فعلية على الأرض.
وسط هذا التعقيد، يبرز ملف وقف إطلاق النار بوصفه عنصر توازن مؤقت أكثر منه حلًا دائمًا. فأنقرة ترى أن الهدنة الحالية تحمل في داخلها عناصر قوة وهشاشة في آن واحد، لكنها تعتقد أن المرحلة الراهنة، التي تشهد نقاشات مكثفة حول إجلاء معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية من سوريا إلى العراق، تفرض مقاربة حذرة تقوم على تمديد وقف إطلاق النار بدل كسره. هذا الطرح يرتبط بحساسية الوجود الأميركي في المنطقة، وبمخاطر أي فراغ أمني قد ينشأ في حال تفجّر الوضع عسكريًا، لا سيما مع استمرار حركة الاتصالات والزيارات بين عواصم إقليمية ودولية معنية بالملف.
غير أن هذه المقاربة لا تحظى بإجماع كامل، إذ تنفي مصادر حكومية سورية أن يكون هناك أي نقاش رسمي حول تمديد آجال الاتفاق مع “قسد”، في إشارة إلى أن دمشق لا ترغب في تحويل وقف إطلاق النار إلى مظلة مفتوحة تُستخدم لشراء الوقت من دون تنفيذ الالتزامات الأساسية. هذا التباين في المواقف يعكس فجوة واضحة بين من ينظر إلى الهدنة كأداة لإدارة مرحلة انتقالية معقدة، ومن يراها إجراءً مؤقتًا يجب أن ينتهي إما بالتنفيذ الكامل للاتفاق أو بتغيير قواعد الاشتباك.
ويتصل بذلك ملف السلاح الذي لا يزال أحد أعقد عناصر الأزمة. فرغم خسارة “قسد” جزءًا مهمًا من قدراتها خلال المواجهات الأخيرة، تشير المعطيات إلى احتفاظها بأسلحة متوسطة وثقيلة في مناطق محدودة، ما يجعل مسألة دمجها في المؤسسات العسكرية السورية مسألة تتجاوز الجانب الإداري إلى إعادة هندسة أمنية كاملة. فمصير هذه الترسانة يبقى معلقًا بين سيناريوهات متعددة، تبدأ بتسليمها للدولة السورية ضمن عملية اندماج منظمة، ولا تنتهي باحتمال سحبها أو تحييدها في حال تبدلت مواقف الداعمين الخارجيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
وفي قلب هذه الصورة، يبقى السؤال الأوسع متعلقًا بخيارات تركيا في حال فشل مسار الاندماج. فأنقرة، التي ترفض أي كيان مسلح خارج سيطرة الدولة السورية المركزية على حدودها الجنوبية، تلمّح إلى أن البدائل معروفة إذا لم تُنفذ التفاهمات، مستندة إلى شبكة علاقاتها المحلية وقدرتها على التأثير الميداني. في المقابل، تراهن دمشق على أن الوقت لم يعد يعمل لصالح “قسد”، في ظل مؤشرات على تغيّر في مستوى الدعم الأميركي، وتحول تدريجي في آليات التنسيق باتجاه الدولة السورية.
هكذا، يقف الشمال الشرقي السوري أمام مفترق طرق حقيقي: إما الانتقال من هدنة هشة إلى تسوية مؤسساتية تعيد ضبط السلاح والسلطة ضمن إطار الدولة، أو الانزلاق مجددًا إلى تصعيد ستكون كلفته عالية على جميع الأطراف، في منطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من التجارب المؤقتة ولا الحلول المؤجلة.
