تفاهمات دمشق وقسد تفتح مرحلة جديدة في سوريا


تشهد الساحة السورية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، في ظل تداخل المسارات السياسية والأمنية والعسكرية، وظهور مؤشرات واضحة على إعادة ترتيب موازين القوى في الشمال الشرقي من البلاد. فبينما تتحرك عجلة التفاهمات السياسية ببطء، لا يزال الواقع الميداني يفرض إيقاعه القاسي، ما يجعل المرحلة الراهنة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الأطراف المختلفة على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التسويات.


وجاءت هذه التطورات في وقت ترددت فيه أنباء عن زيارة لقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إلى دمشق، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة فتح قنوات التواصل المباشر مع الحكومة السورية، بعد فترة من الجمود والتصعيد المتبادل. ورغم غياب إعلان رسمي يؤكد الزيارة، فإن مصادر متطابقة تحدثت عن اتصالات وتحضيرات جارية تهدف إلى بحث ملفات حساسة تتعلق بالوضعين الأمني والإداري في شمال شرق البلاد، وسط ضغوط دولية متزايدة لدفع الطرفين نحو تفاهمات أوسع.


وفي هذا السياق، تحدثت مصادر إعلامية عن وجود اتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» يُعد أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة، ويقضي بوقف شامل لإطلاق النار، ورسم آليات جديدة للانتشار الأمني، إلى جانب خطوات تدريجية لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية ضمن هياكل الدولة السورية. الاتفاق، بحسب هذه المصادر، يهدف إلى إنهاء حالة الازدواج الإداري والأمني التي سادت لسنوات، وإعادة بسط سلطة الدولة على مناطق واسعة من الحسكة والرقة وأجزاء من دير الزور، مع الحفاظ على قدر من الاستقرار الأمني ومنع عودة التنظيمات المتطرفة.


غير أن هذا المسار السياسي لم يخلُ من التعقيدات. فبعد الحديث عن التفاهمات، سُجّلت حوادث ميدانية دامية، من بينها قصف استهدف مناطق في ريف الحسكة وأسفر عن سقوط قتيل وعدد من الجرحى، ما أعاد التذكير بهشاشة الوضع الأمني. وتبادلت دمشق و«قسد» الاتهامات بشأن خرق وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس الفجوة القائمة بين ما يُتداول سياسياً وما يجري فعلياً على الأرض، ويطرح تساؤلات حول قدرة الاتفاق على الصمود دون آليات تنفيذ واضحة وضمانات حقيقية.


وبينما كانت الأنظار تتجه إلى الميدان، حملت الصور القادمة من مطار القامشلي دلالات سياسية لا تقل أهمية، إذ وثّقت مشاهد انسحاب القوات الروسية من مواقعها في المطار، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على تراجع الدور الروسي المباشر في شرق سوريا، وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تتولاها دمشق بدعم وتفاهمات دولية مختلفة. هذا الانسحاب لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء في سياق إعادة تموضع أوسع للقوى المؤثرة في الملف السوري، بالتزامن مع تصاعد الدور الأميركي في إدارة التفاهمات شرق البلاد.


وعلى المستوى الاقتصادي، تبرز أهمية الشمال الشرقي كعامل حاسم في أي تصور لمستقبل سوريا. فالمنطقة تمثل الخزان الأكبر للثروات الزراعية والنفطية، وتشكل سلة القمح الأساسية للبلاد، إضافة إلى احتياطيات النفط والغاز التي حُرمت منها خزينة الدولة لسنوات طويلة. ومع الحديث عن استعادة السيطرة التدريجية على هذه المناطق، تتزايد التوقعات بإمكانية إطلاق مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي، تقوم على إعادة تشغيل الموارد، وتحسين الأمن الغذائي، وتخفيف الضغوط المعيشية، في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعيشها البلاد.


إقليمياً ودولياً، أضافت الاتصالات السياسية بعداً جديداً للمشهد، بعد إجراء الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وُصف بأنه مهم في توقيته ومضامينه. الاتصال تناول التطورات الأخيرة في سوريا، ولا سيما مسار الاتفاق مع «قسد»، وسبل تثبيت وقف إطلاق النار، إضافة إلى التأكيد على وحدة الأراضي السورية ومنع عودة التنظيمات الإرهابية. وأبدى الجانب الأميركي ترحيبه بأي خطوات من شأنها تعزيز الاستقرار، مع استعداد لدعم مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الصراع.


وتزامناً مع ذلك، برز الحراك المتصل بالعلاقات السورية–الروسية، في ظل زيارة الرئيس السوري إلى موسكو، وما حملته من رسائل سياسية تعكس رغبة دمشق في إعادة التوازن إلى علاقاتها الدولية، وعدم الارتهان لمحور واحد في إدارة المرحلة المقبلة.


مجمل هذه التطورات تشير إلى أن سوريا تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فالتفاهمات مع «قسد» قد تشكل بداية لاستعادة الدولة سيادتها على مناطق استراتيجية إذا ما كُتب لها التنفيذ الكامل، لكنها تبقى في الوقت ذاته رهينة هشاشة الوضع الميداني وتشابك المصالح الدولية. وبين الانسحابات العسكرية، والاتصالات الدبلوماسية، والآمال الاقتصادية، تبدو البلاد أمام فرصة نادرة لإعادة رسم مستقبلها، أو أمام خطر تكرار حلقات التعثر التي رافقت سنوات الأزمة الطويلة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال