زار الرئيس السوري أحمد الشرع العاصمة الروسية موسكو في 28 كانون الثاني 2026، في زيارة وُصفت بالمفاجئة، هي الثانية له منذ توليه السلطة، وتأتي في توقيت سياسي دقيق تشهده سوريا والمنطقة، في ظل تحولات داخلية وخارجية أعادت رسم المشهد السوري بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.
وتكتسب الزيارة أهميتها من جملة متغيرات سبقتها، أبرزها رفع اسم الرئيس الشرع من قوائم العقوبات الدولية في تشرين الثاني 2025، إلى جانب إلغاء الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون “قيصر”، وهو ما فتح الباب أمام تحريك الملفات الاقتصادية والاستثمارية التي ظلت مجمّدة لسنوات.
وخلال اللقاء الذي جمع الشرع بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، أكد الجانبان على وحدة الأراضي السورية ورفض أي مشاريع تقسيم، مع التشديد على أن استعادة السيطرة الكاملة على الجغرافيا السورية تمثل أساس الاستقرار السياسي والأمني. واعتبرت موسكو أن التطورات الميدانية الأخيرة تعكس قدرة الدولة السورية على بسط نفوذها، خاصة بعد سيطرة القوات الحكومية على معظم المناطق التي كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق البلاد.
وشهدت الأشهر الماضية استعادة الحكومة السورية لمحافظتي الرقة ودير الزور بالكامل، إضافة إلى أجزاء واسعة من محافظة الحسكة، بما تحويه هذه المناطق من موارد استراتيجية تشمل حقول النفط والغاز وسدود توليد الطاقة، في تطور اعتُبر مؤشرًا على تحوّل ميزان السيطرة على الأرض.
وفي هذا السياق، برز ملف الوجود العسكري الروسي ضمن المباحثات، حيث بعثت موسكو إشارات اعتُبرت إيجابية عبر تقليص وجودها في قاعدة القامشلي ونقل أجزاء منها إلى قاعدة حميميم في الساحل السوري. وأكدت مصادر روسية أن هذه الخطوات تأتي في إطار تفهّم موسكو لرغبة دمشق في بسط سيادتها الكاملة، مع استمرار التنسيق بين الطرفين.
وقال المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف إن العلاقات بين موسكو ودمشق تتطور بشكل نشط بعد التغيير السياسي في سوريا، مشيرًا إلى أن كل التحركات الجارية تتم بالتنسيق المباشر بين قيادتي البلدين. كما أوضح أن ملف القواعد العسكرية يخضع لإدارة وزارة الدفاع الروسية، دون الخوض في تفاصيل إضافية.
وتسعى دمشق، بحسب مصادر دبلوماسية، إلى تطوير التعاون مع موسكو في مجالات متعددة، تشمل الدعم اللوجستي والتدريب العسكري وإعادة تأهيل البنية التحتية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والري، التي أُنشئ كثير منها بخبرات روسية وسوفياتية خلال العقود الماضية.
وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط ومواقف دولية متباينة، إذ تتابع واشنطن عن كثب مستقبل الوجود الروسي في سوريا، في وقت تحاول فيه دمشق تحقيق توازن دقيق في علاقاتها مع كل من موسكو وواشنطن، بما يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية ويجنّبها الدخول في محاور متصارعة.
ورغم ما تحمله الزيارة من مؤشرات على إعادة ترتيب العلاقة السورية الروسية على أسس براغماتية جديدة، يبقى تأثيرها العملي مرهونًا بترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات ملموسة على الأرض، سواء في ملف إعادة الإعمار، أو في صيغة الوجود العسكري الأجنبي، أو في مسار استعادة الاستقرار الكامل في البلاد.
