"خطة التفكيك".. تحركات بغداد ودمشق تنهي حقبة الحلول المؤقتة لملف داعش


لم يعد ملف مقاتلي تنظيم "الدولة" وعائلاتهم مجرد قضية أمنية معلقة في مهب التجاذبات الدولية، بل دخل مرحلة "الحسم الميداني" مع بدء تنفيذ مقاربات جديدة تهدف لتفكيك هذا الإرث الثقيل. ففي تطور بارز يعكس جدية التحركات العراقية، كشف مصدر أمني رفيع عن تسلّم بغداد دفعة ضخمة تضم 4250 عنصراً من المعتقلين المشتبه بانتمائهم للتنظيم ممن كانوا محتجزين في الأراضي السورية، في خطوة توصف بأنها الأكبر والأكثر جرأة لإغلاق واحدة من أخطر الثغرات الأمنية على الحدود المشتركة.


هذا التحرك العراقي ليس معزولاً عن المشهد في الداخل السوري، حيث بدأت تتصاعد التساؤلات حول مدى نجاح دمشق في تفكيك "مخيمات الهول والروج" التي تحولت بمرور الوقت من مراكز إيواء طارئة إلى "غيتوهات" بشرية تنبض بالفكر المتطرف. القناعة السائدة اليوم لدى صناع القرار في البلدين تؤكد أن سياسة "الانتظار" والمناورة التي استمرت لسنوات قد شارفت على نهايتها، خاصة مع تزايد المخاوف من تحول هذه المخيمات إلى "مختبرات" لإنتاج جيل جديد من المتطرفين بعيداً عن الرقابة القضائية الوطنية.


ومع وصول هذه الدفعة الكبيرة من المعتقلين إلى العراق، تبرز تحديات قانونية ولوجستية معقدة؛ فبغداد تسعى لنقل هؤلاء من "الهشاشة الأمنية" في مراكز الاحتجاز السورية إلى قبضة القانون العراقي، في محاولة لمنع خلايا التنظيم النائمة من استغلال أي ثغرة لإعادة ترتيب صفوفها. وفي الوقت ذاته، تحاول المقاربة السورية الحالية البحث عن مخرج لملف العائلات عبر "الجراحة الدقيقة" التي تفصل بين المتورطين مباشرة في أعمال العنف وبين من يمكن إخضاعهم لبرامج إعادة التأهيل، وهو مسار وعر يصطدم دائماً بنقص الموارد وتلكؤ الدول الأجنبية في استعادة رعاياها.


إن دمج المسارين العراقي والسوري في التعامل مع هذا الملف يشير إلى تحول جذري من "الاحتواء السلبي" إلى "المعالجة النشطة". فبينما يركز العراق على الحسم القضائي والأمني لعناصره، تكتسب الجهود السورية أهمية استراتيجية في محاولة تفكيك الحواضن الفكرية داخل المخيمات. وفي نهاية المطاف، يبقى نجاح هذه "الخطة الكبرى" مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل هذه الإجراءات الميدانية إلى سياسة استراتيجية طويلة الأمد، لا تكتفي بترحيل الأزمات، بل تسعى لإغلاق ملف التنظيم نهائياً، منعاً لعودة الخطر بصيغ جديدة وتحت مسميات مختلفة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال