هل تنجح دمشق في استرداد الهوية الدينية من صراعات التاريخ؟


في ردهات المؤتمر الأول لوزارة الأوقاف بدمشق، لم يكن الحاضرون يوقعون مجرد ورقة عمل، بل كانوا يطلقون ما يشبه "البيان رقم واحد" في معركة استعادة الوعي الفكري السوري. إن إطلاق "ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي" يأتي اليوم كضرورة ملحة لجمهورية تحاول لملمة جراحها، ليس فقط على مستوى الحجر والبشر، بل في أعمق طبقات الهوية التي استُنزفت لسنوات تحت وطأة التجييش وتعدد المرجعيات المتصارعة. هذا الحراك الذي رعاه وحضره الرئيس أحمد الشرع، يضع المؤسسة الدينية السورية وجهاً لوجه أمام مسؤولياتها التاريخية، حيث لم يعد الهدف مجرد تنظيم دروس دينية، بل إعادة صياغة "عقد اجتماعي ديني" يخرج بالبلاد من أزقة المذهبية الضيقة إلى فضاء الوطنية الرحب.


وقد تجلى هذا التحول الجذري في نبرة الرئيس أحمد الشرع، الذي خاطب الحضور بلغة "الواقعية السياسية" الممزوجة بالحرص الوطني، مؤكداً أن السوريين اليوم لا يملكون ترف الانغماس في سجالات فقهية وُلدت في عصور خلت ولم تعد تسمن ولا تغني من جوع في واقع معقد. إن دعوة الشرع لتجاوز "خلافات القرون" تمثل إعلاناً صريحاً عن نهاية مرحلة "السيولة الفكرية"، والانتقال إلى مرحلة "الضبط الأخلاقي المجتمعي"، حيث تصبح الأولوية المطلقة هي بناء الإنسان وترميم النسيج الأخلاقي الذي تعرض لضربات قاسية. هذا الخطاب يعكس رغبة الدولة في تحويل الدين من "حلبة للصراع" إلى "محرك للبناء"، مشدداً على أن استقرار الأوطان يبدأ من استقرار العقول وتوحيد كلمتها خلف الثوابت الوطنية الكبرى.


من جانبه، لم يكن وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري أقل حزماً وهو يصف هذا الميثاق بأنه "عهد وطني" يهدف للانتقال بالعلاقات بين السوريين من التوجس والتباعد إلى التنسيق العملي والمؤسساتي. إن الرؤية التي طرحتها الوزارة تسعى لجعل المساجد منارات للألفة ومحاريب للوسطية، بعيداً عن صدى خطاب الكراهية الذي طالما استُخدم كوقود للفتن. هذا التوجه نحو "مأسسة الخطاب" يعني في جوهره أن الدولة السورية، التي خرجت من مخاض كانون الأول 2024، قررت أن تضع يدها على "بوصلة المنبر"، ليس من باب التقييد، بل من باب حماية التنوع الديني وصونه من الانزلاق نحو التحريض، وضمان أن تظل المساجد حصوناً للوحدة الوطنية لا منصات للتفرقة.


وفي عمق هذا المشهد، برز صوت المفتي العام أسامة الرفاعي كصوت وجداني يدرك حجم التحديات الميدانية، فهو لم يكتفِ بمباركة الميثاق كخطوة تبعث على الارتياح، بل تحدث بصراحة عن "المكابدة" المطلوبة للوصول إلى حقيقة وحدة القلوب. فالرفاعي يدرك أن النصوص والمواثيق تظل مجرد حبر على ورق ما لم تلامس قلوب العامة وتتحول إلى سلوك يومي يرفض الإقصاء ويقبل الآخر. هذه المكابدة هي التحدي الحقيقي الذي يواجه دمشق الآن؛ فترميم ما أفسدته سنوات الحرب من شرخ في الوعي الجمعي يحتاج إلى جهد مضنٍ وصبر طويل لغسل رواسب الكراهية واستعادة تلك الروح السورية السمحة التي كانت دائماً نموذجاً للتعايش الفريد.


بين هذه الرؤى المتعددة، يبدو أن سوريا 2026 تمضي بخطى واثقة نحو "تأميم السلم المجتمعي" فكرياً، حيث يمثل هذا الميثاق وثيقة احتكام مسؤولة تضبط مساحات التنوع الفقهي والمذهبي ضمن "دائرة الرحمة". إنها محاولة جادة لإعادة الاعتبار للمؤسسة الدينية كشريك أساسي في التعافي الوطني، بعيداً عن هيمنة الشعارات العابرة للحدود أو الولاءات الضيقة. وفي المحصلة، فإن نجاح هذا المسار لا يتوقف فقط على التزام الدعاة والمفتين، بل على قدرة المجتمع السوري ككل على اعتناق هذه الوسطية كمنهج حياة، ليصبح الدين جزءاً من الحل في معركة البناء الشاملة، وصمام أمان يحمي الأجيال القادمة من الوقوع في فخاخ الصراعات الموروثة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال