مع بزوغ فجر يوم الإثنين، لم يكن المشهد في ريف الحسكة الشمالي الغربي مجرد حركة اعتيادية لآليات عسكرية، بل كان إعلاناً ميدانياً عن طي صفحة وبداية أخرى في تاريخ الصراع السوري؛ فبينما كانت أكثر من مئة شاحنة محملة بالعتاد والجنود تعبر الطريق الدولي باتجاه الحدود العراقية، بدأت قاعدة "قسرك" الحصينة تفقد بريقها كأكبر ثقل عسكري للولايات المتحدة في البلاد. هذا الانسحاب الذي بدا متسارعاً لم يكن مجرد إخلاء لمواقع جغرافية، بل كان تجسيداً لواقع سياسي جديد فرضته التحولات التي شهدتها المنطقة مؤخراً، لا سيما مع تنامي قدرة الدولة السورية على استعادة زمام المبادرة وبسط سيطرتها التدريجية، وهو ما جعل من الوجود الأمريكي في تلك البقعة مسألة وقت لا أكثر.
وعلى وقع هدير المحركات المغادرة، بدأت تتشكل ملامح المرحلة القادمة التي تتسم بانتقال "المسؤوليات الثقيلة"؛ فدمشق التي انضمت رسمياً للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب العام الماضي، لم تعد تراقب المشهد من بعيد، بل أصبحت اليوم الوريث الميداني لمهمة ملاحقة خلايا "داعش" في البادية المترامية. وفي ثنايا هذا المشهد، تبرز ملامح تفاهمات أعمق تجري في الغرف المغلقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، حيث يتجاوز الحديث فكرة الانسحاب العسكري ليصل إلى صياغة مشروع اندماج يعيد المؤسسات الوطنية إلى شرق الفرات، وينهي سنوات من التشتت الإداري والأمني تحت حماية الأجنبي.
ورغم أن واشنطن تغلّف هذا التحرك بمصطلحات دبلوماسية مثل "الانتقال المدروس والمشروط"، إلا أن القراءة الشعبية والسياسية في الشارع السوري تذهب إلى أبعد من ذلك؛ فبين من يرى في إخلاء قواعد التنف والشدادي وقسرك انتصاراً لمنطق السيادة الوطنية، وبين من يراقب بريبة إمكانية إعادة تموضع هذه القوات لمواجهة ملفات إقليمية أخرى، يبقى الثابت الوحيد أن الخريطة السورية تنفض عنها غبار التدويل. وبينما يترقب الجميع مصير القواعد القليلة المتبقية مثل "خراب الجير"، تبدو الأرض السورية وكأنها تستعيد أنفاسها، معلنةً أن زمن القواعد العسكرية العابرة للحدود قد بدأ بالانحسار، لتترك المكان لأبناء الأرض لرسم مستقبلهم بعيداً عن حسابات القوى الكبرى وصراعاتها المفتوحة.
