ماذا وراء تصعيد داعش الأخير في الرقة وديرالزور؟


لم يكن ليل شرق سوريا هادئاً كما جرت العادة في الأشهر الأخيرة، فبين أزقة الرقة وبوادي دير الزور، عاد صخب الرصاص ليعلن عن مرحلة جديدة من المواجهة. الهجمات المتلاحقة التي تبناها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) خلال الساعات الـ 48 الماضية، لم تكن مجرد خروقات أمنية عابرة، بل حملت في طياتها رسائل سياسية وعسكرية "دموية" للقوى المسيطرة على الأرض.


في مدينة الرقة، التي تحاول جاهدة طي صفحة الماضي الأليم، جاء الهجوم المزدوج ليضرب في العمق. لم يكتفِ التنظيم بعملية واحدة، بل عاد للمرة الثانية خلال ساعات ليجهز على 4 من عناصر القوى الأمنية. هذا الإصرار على تكرار الهجمة في بقعة جغرافية واحدة وضمن زمن قياسي، يكشف عن قدرة استخباراتية لدى خلايا التنظيم على رصد الثغرات والتحرك في قلب المناطق التي يُفترض أنها تخضع لرقابة مشددة.


بالتوازي مع نزيف الرقة، كانت دير الزور مسرحاً لعملية مماثلة أودت بحياة 4 عناصر آخرين، في وقت أعلن فيه التنظيم رسمياً مسؤوليته عن مهاجمة مقر تابع للجيش السوري. هذا التوزع الجغرافي للهجمات يشير إلى أننا لسنا أمام "ذئاب منفردة"، بل أمام عمليات منسقة تهدف إلى تشتيت الانتباه وإرباك غرف العمليات العسكرية للجيش السوري.


التصعيد الأخير فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات الشارع السوري الذي يراقب المشهد بريبة. فبينما يتساءل الكثيرون: "أين كان التنظيم خلال فترات الهدوء أو عندما كانت الخارطة السورية تتشكل من جديد؟"، بينما يرى مراقبون أن التنظيم يتبع استراتيجية "النهج المتدرج"؛ فهو يكمن حين تشتد الضغوط الدولية، ويعود للظهور حين يشعر بوجود فجوات في التنسيق الأمني بين الأطراف الدولية والمحلية في سوريا. فالتنظيم يراهن اليوم على استنزاف القوى الأمنية في مرحلة "انتقالية" حساسة، محاولاً إجهاض أي محاولة للاستقرار السياسي عبر خلق بؤر توتر دائمة. إن ما تشهده الرقة ودير الزور اليوم ليس مجرد صدفة أمنية، بل هو محاولة لاستعادة هيبة مفقودة وفرض معادلة "الفوضى المستدامة" في مناطق كانت تظن أنها عبرت إلى ضفة الأمان.


بينما تنشغل القوى الكبرى بملفات إقليمية ودولية معقدة، يبدو أن التنظيم وجد في "البيات الشتوي" فرصة لإعادة ترتيب صفوفه. الهجمات الأخيرة هي إنذار مبكر بأن خطر التنظيم لم ينتهِ بسقوط معاقله الجغرافية، بل تحول إلى "خطر شبحي" يضرب ثم يختفي، تاركاً خلفه تساؤلات صعبة حول جدوى الخطط الأمنية المتبعة حالياً.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال