بين اتهامات دمشق وردود قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يطوي مخيم الهول صفحة سوداء من تاريخه ليفتح فصلاً جديداً من التحديات الأمنية والقانونية. هذا المكان الذي طالما وُصف بـ "القنبلة الموقوتة"، لم ينتهِ خطره بمجرد إغلاقه، بل تحول الصراع فيه من إدارة أزمة "بشرية" إلى مواجهة تداعيات أمنية وسياسية كبرى، وسط تقارير عن مقابر مجهولة وهروب خلايا كانت تعيش في ظله لسنوات.
وزارة الداخلية السورية وضعت النقاط على الحروف بتوجيه أصابع الاتهام لـ "قسد"، معتبرة أن انسحابها المفاجئ تم "دون أي تنسيق"، في خطوة فُسرت بدمشق على أنها محاولة لترك المنطقة غارقة في الفوضى. وفي استجابة سريعة لفرض هيبة الدولة، أعلنت الوزارة عن خطة أمنية شاملة للحسكة وريفها، بدأت بالفعل في ملاحقة بقايا خلايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) التي حاولت استغلال لحظة الانتقال الأمني للتواري عن الأنظار أو تنفيذ عمليات إرهابية. الرواية الرسمية لدمشق تقدم الدولة هنا كقوة وحيدة قادرة على ضبط هذا الملف الذي عجزت عنه القوى "غير الشرعية" والمنظمات الدولية لسنوات.
على الجانب الآخر، تدافع "قسد" عن موقفها معتبرة أن انسحابها كان "اضطرارياً" تحت ضغط التحشيدات العسكرية والصدام المباشر، متهمة الفصائل التابعة لدمشق بتسهيل خروج عائلات التنظيم. وبينما تتبادل الأطراف التهم، تكشفت حقائق مروعة من داخل المخيم "المغلق"، حيث تم العثور على مقبرة تضم قرابة ألف جثمان لمجهولي الهوية، مما يضع سنوات إدارة "قسد" للمخيم تحت مجهر المساءلة الدولية حول ما كان يحدث خلف تلك الجدران من انتهاكات صامتة.
هذا الفراغ الأمني والغموض الذي يلف مصير القاطنين السابقين، لم يترك أثراً محلياً فحسب، بل وصل صداه إلى أوروبا؛ حيث أثارت مذكرات أمنية من قبرص مخاوف جدية من أن يؤدي انهيار المنظومة السابقة في الهول إلى تسرب عناصر إرهابية نحو المتوسط، مما يعيد الملف السوري إلى صدارة القلق الأمني العالمي.
إن إغلاق مخيم الهول لم يكن نهاية للأزمة، بل كان بداية لاختبار "قدرة الدولة" على استعادة سيادتها وتصحيح مسار ملف أُدير لسنوات بعيداً عن مؤسساتها الرسمية. فالدولة السورية تجد نفسها اليوم أمام تركة ثقيلة خلّفتها القوى المسيطرة سابقاً؛ فوجود مقابر لألف جثمان مجهول وتوثيق عمليات تهريب لعناصر داعش يثبتان أن الإدارة السابقة للمخيم كانت "هشة" ومخترقة. إن بسط وزارة الداخلية السورية لسيطرتها وتفعيل الخطط الأمنية في الحسكة هو الخطوة المنطقية الوحيدة لمنع تحول "إغلاق المخيم" إلى "توزيع للإرهاب" في المنطقة. في المحصلة، يثبت الواقع أن الحلول الأمنية المؤقتة التي قادتها قوى غير سيادية قد فشلت، وأن مسؤولية الدولة في ملاحقة التنظيم وحماية الأمن القومي هي الضمانة الوحيدة لمنع تطاير شظايا ملف "الهول" في وجه السوريين والعالم مرة أخرى.
