تبادل محتجزين وتعيينات رفيعة ترسم ملامح التفاهم بين دمشق والقامشلي


في مشهد لم يكن أكثر المتفائلين يتوقعه قبل سنوات قليلة، بدأت بوصلة التوازنات الداخلية السورية تشير بوضوح نحو اتجاه جديد تماماً، عنوانه "الواقعية السياسية" وبطله التنسيق العسكري المباشر. إذ لم يعد الحديث اليوم يدور حول خطوط تماس ملتهبة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، بل انتقل المشهد إلى أروقة وزارة الدفاع في دمشق، مع صدور قرار تعيين "سيبان حمو"، القائد السابق لوحدات حماية الشعب، معاوناً لوزير الدفاع ومسؤولاً عن المنطقة الشرقية بكل ثقلها العسكري.


هذه الخطوة، التي وصفها مراقبون بأنها "زلزال سياسي"، تتجاوز في أبعادها مجرد تعيين شخصية عسكرية في منصب رسمي؛ فهي بمثابة اعتراف متبادل وشرعنة لدور المكون الكردي ضمن هيكلية الدولة السورية المركزية. إن تسليم "حمو" ملف المنطقة الشرقية يعني عملياً البدء في عملية دمج حقيقية للقوى العسكرية التي سيطرت على مساحات شاسعة من البلاد لسنوات، وتحويلها إلى جزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطنية، وهو ما يضع حداً لسنوات من التكهنات حول "انفصال" الشرق أو بقائه منطقة رمادية خارج نفوذ الدولة.


وبالتوازي مع هذا الاختراق السياسي، كانت مدينة الحسكة تشهد ترجمة عملية لهذا التقارب على أرض الواقع؛ حيث جرت عملية تبادل واسعة شملت حوالي 200 شخص بين الطرفين. هذه الخطوة الإنسانية والميدانية لم تأتِ من فراغ، بل هي "هندسة لبناء الثقة" تهدف إلى تصفية الملفات الشائكة التي كانت تشكل حجر عثرة أمام أي حوار سياسي جاد. إن خروج هؤلاء الأشخاص وعودتهم إلى ذويهم في هذا التوقيت بالذات، يبعث برسالة قوية للداخل والخارج بأن لغة الصدام قد استُبدلت بلغة المصالح المشتركة والتهدئة المستدامة.

ويرى المحللون أن هذه الانعطافة السورية نحو ترتيب البيت الداخلي تأتي في ظل تعقيدات إقليمية ودولية تفرض على السوريين البحث عن حلول "من الداخل إلى الداخل". فدمشق التي تسعى لاستعادة سيادتها الكاملة على منابع النفط والأراضي الزراعية في الشرق، تجد في هذا الاتفاق مخرجاً يضمن وحدة البلاد، بينما تجد الإدارة الذاتية في هذا الاندماج مظلة شرعية تحميها من التهديدات الخارجية وتثبت حقوقها ضمن الدستور السوري القادم.


إننا اليوم أمام مرحلة "جسور العودة"، حيث لم تعد الجبهات هي التي تتحدث، بل التفاهمات الأمنية والعسكرية. ورغم أن الطريق لا يزال محفوفاً بالتحديات، خاصة فيما يتعلق بشكل الإدارة المحلية وكيفية الموازنة بين السلطة المركزية والخصوصيات المناطقية، إلا أن تعيين قيادي عسكري بحجم سيبان حمو في قلب المؤسسة العسكرية السورية، يمثل حجر الزاوية في بناء "سوريا الجديدة" التي يبدو أنها قررت أخيراً أن تلم شتات جغرافيتها بأيدي أبنائها، بعيداً عن صراعات القوى الكبرى التي استنزفت البلاد طويلاً.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال