هل تنجح الدبلوماسية في تثبيت دعائم الاستقرار السوري واللبناني؟


تشهد الساحة السياسية السورية واللبنانية حراكاً ديبلوماسياً مكثفاً يتجاوز الأطر التقليدية للأزمات، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الضرورات الإقليمية لترسم مشهداً جديداً يتأرجح بين مساعي التهدئة وتثبيت ركائز الاستقرار. وفي قلب هذا المشهد، برزت سلسلة من التطورات التي تعكس رغبة دولية في احتواء التصعيد، بدأت بوضوح من خلال الاتصال الثلاثي الرفيع الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني جوزيف عون. هذا التواصل الهام ركز بشكل جوهري على بحث سبل استقرار لبنان وتجنيبه الهزات السياسية والأمنية، في خطوة تؤكد أن أمن بيروت ودمشق يمثلان وحدة مترابطة لا يمكن فصلها في أي تسوية إقليمية شاملة، وهو ما يتطلب تنسيقاً مباشراً بين القوى الفاعلة لضمان عدم انزلاق المنطقة نحو فوضى جديدة.


وفي سياق متصل بهذا الحراك، برز الموقف الرسمي السوري بوضوح على المنابر الدولية، حيث سجل مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير إبراهيم علبي، موقفاً حازماً استنكر فيه الاعتداءات التي تطال لبنان والدول الخليجية الشقيقة. وأوضح السفير علبي في مداخلاته أن استهداف أمن الخليج أو السيادة اللبنانية يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللمصالح المشتركة، محذراً من تداعيـات التصعيد العسكري الذي قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الهش في المنطقة. هذا الخطاب الدبلوماسي يعكس توجه سوريا الجديد نحو تصفير المشكلات وبناء علاقات متينة مع المحيط العربي، قائمة على رفض التدخلات الخارجية وحماية المصالح العربية العليا.


وعلى الضفة الأخرى من المشهد، وتحديداً في الجانب المتعلق بالعلاقات السورية الأمريكية، برز تطور لافت كشف عنه المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، حول إعادة تفعيل حساب المصرف المركزي السوري لدى البنك الفيدرالي. وأكد باراك أن هذا الإجراء جاء نتيجة تنسيق مثمر يهدف إلى تسيير العمليات المالية الضرورية وتخفيف الضغوط الاقتصادية ضمن مسار قانوني ودبلوماسي مدروس. إن إعادة تفعيل هذا الحساب تمثل خطوة جوهرية في طريق الانفتاح الاقتصادي، مما قد ينعكس إيجاباً على القدرة على إدارة الأزمات المعيشية وتوفير احتياجات المرحلة المقبلة عبر قنوات مالية رسمية ومعترف بها دولياً.


إن هذه المسارات الثلاثة، بدءاً من التنسيق بين الشرع وماكرون وعون، مروراً بمواقف السفير إبراهيم علبي المبدئية، وصولاً إلى النجاح المالي الذي أعلن عنه توم باراك، تشير في مجموعها إلى وجود إرادة دولية لبناء "شبكة أمان" تمنع الانهيار الشامل. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في مدى قدرة هذه الأطراف على تحويل هذه التفاهمات الدبلوماسية والمالية إلى واقع ملموس يستشعره المواطن في حياته اليومية، بعيداً عن صراعات النفوذ التي طالما استنزفت مقدرات المنطقة وأمن شعوبها لسنوات طويلة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال