تدخل سوريا اليوم حقبة سياسية مغايرة تماماً، حيث يتصدر الرئيس أحمد الشرع المشهد كمهندس لعملية انتقال معقدة تتطلب موازنة دقيقة بين إرث الصراع وتطلعات المستقبل. إن التحركات الدبلوماسية الأخيرة التي قادها الشرع عبر اتصالات مباشرة مع قادة دول الخليج، لم تكن مجرد محاولة لكسر الجمود، بل حملت عرضاً استراتيجياً غير مسبوق؛ حيث أبلغ الشرع زعماء الخليج استعداد دمشق لفتح الجغرافيا السورية كممر تجاري بري استراتيجي يربط الموانئ السورية بالعمق العربي. هذا الطرح يأتي كبديل حيوي وآمن للممرات البحرية التي تعيش توترات أمنية متصاعدة، مما يضع سوريا في قلب سلاسل التوريد الإقليمية، ويحولها من ساحة صراع إلى جسر اقتصادي يخدم مصالح المنطقة برمتها.
ولم يتوقف حراك الشرع عند الطموحات الاقتصادية، بل انتقل إلى "مكاشفة أمنية" بالغة الحساسية، حيث اقترح إنشاء غرفة عمليات عسكرية مشتركة مع الدول العربية لمواجهة تداعيات الحرب المستعرة بين أمريكا وإيران. رسالة الشرع كانت واضحة وحذرة؛ إذ نبه إلى أن اتساع رقعة الصراع قد لا يقتصر على المواجهات التقليدية، بل قد يمتد ليشمل تهديدات أمنية وعمليات تخريبية مباشرة داخل أراضي دول الخليج، وليس فقط عبر الصواريخ أو المسيرات. هذا التحذير، المقرون بعرض التعاون السوري للمساعدة في صد هذه المخاطر، يعكس رغبة القيادة الجديدة في تقديم نفسها كشريك أمني لا غنى عنه لحماية الاستقرار الإقليمي.
وفي موازاة هذا الانفتاح، تبرز ملامح استعادة "منطق الدولة" في الداخل من خلال تفعيل ملفات سيادية كان آخرها تعزيز الجاهزية الوطنية للاستجابة للطوارئ الإشعاعية والنووية. إن الاهتمام بهذا الملف التقني يكمل الصورة السياسية؛ فهو رسالة للمجتمع الدولي بأن سوريا تستعيد سيطرتها المسؤولة على مقدراتها وفق المعايير الدولية. إن الجمع بين "دبلوماسية الممرات التجارية" واليقظة الأمنية يمثل جوهر استراتيجية الوسطية والاندماج التي يتبناها الشرع، لإعادة صياغة الدور السوري كعنصر استقرار ملتزم بضبط حدوده وحماية أمنه القومي والبيئي، مما يضع المجتمع الدولي أمام واقع جديد يتطلب التعامل مع دمشق كلاعب فاعل ومسؤول.
