في مشهدٍ تداخلت فيه المسارات السياسية مع الانتهاكات الميدانية، تعيش محافظة القنيطرة والجنوب السوري حالة من الغليان الصامت، حيث تتقاطع الجهود الدبلوماسية في العاصمة دمشق مع تحركات دولية حذرة في ريف القنيطرة، وسط تصعيد إسرائيلي لم يكتفِ بخرق الحدود، بل امتد لينال من ذاكرة المكان وهويته التاريخية.
البداية كانت من العاصمة دمشق، التي شهدت حراكاً رفيع المستوى باستقبال الرئيس السوري أحمد الشرع لوفد أردني ترأسه وزير الخارجية أيمن الصفدي. هذا اللقاء لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل حمل في طياته ملفات أمنية ودفاعية ثقيلة؛ حيث بحث الجانبان سبل تحصين الحدود ومكافحة تهريب المخدرات والسلاح، في وقت أكد فيه الصفدي وقوف الأردن إلى جانب استقرار سوريا ووحدتها. وبينما كانت دمشق وعمان ترسمان ملامح تعاون اقتصادي وأمني جديد، كانت أصداء الانفجارات والجرافات الإسرائيلية في القنيطرة تفرض واقعاً مغايراً على الأرض، يهدد كل محاولات التهدئة الإقليمية.
ففي الجنوب، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي سياسة ممنهجة لمحو المعالم الأثرية، حيث أقدم مؤخراً على تدمير أجزاء من ثانوية "الحسن بن الهيثم" العريقة، بعد أسابيع من هدم مشفى الجولان القديم وسينما الأندلس. هذا التدمير لا يمثل خرقاً أمنياً فحسب، بل هو اعتداء مباشر على إرث ثقافي صمد لعقود، وهو ما وصفته دمشق وعمان بأنه خرق فاضح للقانون الدولي واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي يبدو أنها تتعرض اليوم لأكبر اختبار لمدى فاعليتها.
وفي خضم هذا التوتر، برزت تحركات دولية مكثفة لقوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف). حيث رُصدت دوريات أممية تتحرك من مركزها في "تل أبو الغيثار" باتجاه بلدات "صيدا الحانوت" و"نبع الصخر" بريف القنيطرة الأوسط. هذه التحركات تأتي في إطار محاولات البعثة الدولية لتوثيق الخروقات الإسرائيلية المتكررة، ومراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار في منطقة الفصل. وقد انتقد مسؤولون أمميون الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق العازلة، مؤكدين أنه انتهاك صريح للاتفاقات الدولية التي تمنع أي وجود مسلح باستثناء قوات "أندوف".
إن هذا المشهد المركب يضع الجنوب السوري أمام منعطف خطير؛ فبينما تسعى الدبلوماسية السورية-الأردنية لتثبيت أركان الاستقرار والتعاون، تمضي إسرائيل في تغيير معالم الأرض وخرق السيادة، تاركةً لقوات "أندوف" مهمة صعبة في موازنة القوى ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة. يبقى السؤال المعلق فوق تلال القنيطرة: هل تنجح التحركات الدولية والدبلوماسية في كبح جماح التصعيد، أم أن "معالم الذاكرة" المدمرة ستكون مجرد بداية لمرحلة أكثر قسوة؟.
