لم تكن الأمطار الغزيرة التي هطلت على محافظة الحسكة خلال الأيام الماضية مجرد "بشرى خير" للفلاحين، بل تحولت سريعاً إلى كابوس داهم السكان في منازلهم وأراضيهم. فقد استفاق أهالي المحافظة وريفها على فيضان غير مسبوق لنهر الخابور وروافده، مما أدى إلى غمر أحياء كاملة وقطع الطرقات، وسط حالة من الاستنفار الشعبي والرسمي لمواجهة كارثة إنسانية ومادية تتسع رقعتها مع كل ساعة تمر.
المشهد في مدينة الحسكة ومناطق تل حميس واليعربية والشدادي بدا مأساوياً؛ حيث تشير الإحصائيات الميدانية إلى تضرر أكثر من 1700 منزل بشكل كلي وجزئي، ما أجبر فرق الإنقاذ على إجلاء ما يزيد عن 120 عائلة من المناطق الأكثر خطورة بعد أن حاصرتها المياه من كل جانب. ولم تقتصر الخسائر على الحجر، بل امتدت لتطال سبل العيش، إذ غمرت السيول مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية، محولةً تعب المواسم إلى مساحات من الطمي والمياه الراكدة، مما يهدد الأمن الغذائي لمئات العائلات التي تعتمد على هذه المحاصيل.
غير أن الوجع الأكبر تجسد في الخسائر البشرية التي خلفت غصة في قلوب الأهالي؛ فالموت لم يطرق الأبواب فحسب، بل اختطف أرواحاً بريئة في لحظات غفلة. ففي قرية الصبيحية التابعة لناحية معبدة، قضى طفلان غرقاً في بركة مياه تشكلت نتيجة الأمطار، وفي حادثة أخرى جرفت مياه نهر جغجغ طفلاً ثالثاً في قرية تل طويل مرشو. ولم يتوقف نزيف الأرواح عند هذا الحد، إذ فُجع أهالي ريف الحسكة بوفاة الشاب حسن محمد العلي، البالغ من العمر 17 عاماً، الذي قضى غرقاً في نهر الخابور، ليرتفع عدد الضحايا ويتحول المنخفض الجوي إلى مأتم مفتوح.
وفي محاولة للسيطرة على تداعيات هذا المنخفض القطبي، استنفر الدفاع المدني السوري كافة طاقاته، حيث وصلت فرق مؤازرة إضافية ومعدات ثقيلة إلى الحسكة لتعزيز عمليات الاستجابة التي دخلت يومها الثالث. وتعمل الفرق على مدار الساعة في خمسة محاور أساسية، شملت بناء سواتر ترابية بطول تجاوز 8 كيلومترات لمنع تدفق المياه نحو الأحياء السكنية، وفتح قنوات تصريف المياه المسدودة، بالإضافة إلى عمليات شفط المياه من المنازل والنقاط الحيوية لتسهيل حركة المدنيين وتأمينهم.
تبقى الحسكة اليوم في مواجهة مفتوحة مع الطبيعة، وبينما تستمر الجهود الميدانية لمحاصرة الأضرار، يترقب السكان انحسار المياه لتبدأ رحلة البحث عما تبقى من ممتلكاتهم تحت الركام والطين، في كارثة أعادت إلى الأذهان هشاشة البنية التحتية وقسوة الظروف الجوية التي لم ترحم صغيراً ولا كبيراً.
