تخطو الدولة السورية خطوات حثيثة وعملية نحو صياغة واقع جديد ينهي حقبة طويلة من التشرذم والانقسام، حيث برزت محافظة الحسكة في الأيام الأخيرة كواجهة لهذا التحول المفصلي مع وصول وفد رئاسي رفيع المستوى، في مهمة تهدف للإشراف المباشر والميداني على تنفيذ بنود "اتفاق 29 كانون الثاني". هذه التحركات لا تحمل طابعاً بروتوكولياً عابراً، بل تُعد انطلاقة فعلية لترجمة التفاهمات العسكرية إلى واقع ملموس، من خلال دمج القوى العسكرية التابعة لـ "قوات سوريا الديمقراطية" ضمن هيكلية الجيش السوري بشكل مؤسساتي، وتحديداً عبر دمج ثلاثة ألوية عسكرية في ملاك "الفرقة 60". هذا المسار يهدف بالدرجة الأولى إلى توحيد "البندقية السورية" تحت مظلة وطنية واحدة، وتذليل كافة العقبات الإدارية والأمنية التي قد تعيق عودة المهجرين إلى قراهم ومدنهم، بما يضمن بسط سيادة الدولة وإنهاء المظاهر المسلحة غير المنضوية تحت لواء الوزارة الرسمية.
وفي سياق متصل لتعزيز الاستقرار المجتمعي وترميم النسيج الوطني، شرعت وزارة العدل في تفعيل الأدوات القانونية لمرسوم العفو العام رقم (39) لعام 2026. وأكدت الوزارة في توضيحاتها الأخيرة أن مفاعيل العفو وتدابير إسقاط الدعاوى ستتم بشكل "تلقائي وفوري" دون الحاجة لإجراءات معقدة قد تعيق استفادة المواطنين منها. هذا التوجه القضائي يمثل حجر الزاوية في مسار العدالة الانتقالية، حيث يهدف إلى تصفية الملفات القانونية العالقة التي أفرزتها سنوات الحرب، ومنح فرصة حقيقية للملاحقين والمهجرين للعودة إلى حياتهم الطبيعية وممارسة حقوقهم المدنية دون خوف. وتشدد المراجع القانونية على أن هذا العفو ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو رسالة طمأنة تهدف لترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، خاصة مع مراعاة الظروف القسرية التي منعت الكثيرين من تسوية أوضاعهم القانونية في السابق.
وعلى الصعيد السياسي والتنموي، برزت تصريحات الرئيس أحمد الشرع لتعيد رسم أولويات الدولة في المرحلة المقبلة، حيث وضع ملف إعادة الإعمار في مقدمة الأجندة الوطنية بوصفه "واجباً أخلاقياً" قبل أن يكون سياسياً. وبكلمات اتسمت بالصراحة والمكاشفة خلال لقاءاته الإعلامية الأخيرة، أكد الرئيس أن "ما أُنجز حتى الآن يظل قليلاً بحق الشعب السوري" الذي قدم تضحيات جسيمة وصبر على ويلات الحرب. هذا الخطاب السياسي يعكس رؤية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية، حيث يقر بصعوبة الواقع الاقتصادي المتردي وحجم الدمار في البنية التحتية، لكنه يرسخ في الوقت ذاته لمنهجية عمل تعتمد على الشفافية وتحديث البيانات المفقودة وإعادة بناء المؤسسات على أسس من الكفاءة والقانون. إن التكامل بين جهود المؤسسة العسكرية في الشمال، والتحركات القضائية في وزارة العدل، والوعود الرئاسية بالبناء، يشكل في مجمله خارطة طريق طموحة تهدف للعبور بالبلاد نحو ضفة الأمان والاستقرار المستدام.
