كيف أعادت صواريخ "الغضب الملحمي" رسم خرائط القوة والطاقة في العالم؟


في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، استيقظ العالم على دوي انفجارات لم تكن مجرد ضربات عسكرية عابرة، بل كانت إعلاناً عن انتهاء حقبة زمنية وبدء أخرى. مع انطلاق عملية "الغضب الملحمي" ومقتل المرشد الأعلى الإيراني في اللحظات الأولى للهجوم، لم تسقط الأسقف في طهران فحسب، بل تهاوت معها نظريات "تعدد الأقطاب" التي روجت لها قوى دولية لسنوات، ليعيد المشهد تأكيد الهيمنة الأمريكية المطلقة عبر استخدام القوة الصلبة بأسلوب مباشر لا يعرف الدبلوماسية التقليدية.


هذه المواجهة الوجودية للنظام الإيراني، الذي صمد لسبعة وأربعين عاماً، وضعت طهران أمام خيار واحد: حرب البقاء. ورغم أن الصدمة كانت عنيفة، إلا أن القراءات تشير إلى أن النظام قد لا ينهار بالسرعة التي يتخيلها المهاجمون؛ فالقيادة الإيرانية التي تعايشت مع الأزمات الطويلة كانت قد أعدت سلفاً سيناريوهات الخلافة، مما قد يدفع الأطراف الداخلية للتوحد خلف "قائد الضرورة" الجديد لمواجهة التهديد الخارجي. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر يكمن في الداخل، حيث قد تُشعل العمليات العسكرية فتيل الاحتجاجات الشعبية المكبوتة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية، مما يجعل "تفكيك النظام" عملية معقدة وغير مضمونة النتائج.


وعلى الصعيد الدولي، كشفت الصواريخ المتساقطة على طهران حدود القوة الإستراتيجية لكل من موسكو وبكين. فبينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يستعرض قوته في المنطقة، اكتفت روسيا والصين بدور "المتفرج المندد". هذا الموقف كشف حقيقة مُرّة لحلفاء "محور الشرق"، وهي أن الشراكات الاقتصادية والوعود السياسية لا توفر مظلة حماية عسكرية حقيقية عندما تقرر واشنطن التحرك بجدية. لقد وجدت موسكو وبكين نفسيهما في موقف العاجز، تراقبان انهيار طموحاتهما في بناء تكتل عالمي موازٍ، وتنتظران بمرارة تعثر ترمب في "المستنقع الإيراني" لعلّه يمنحهما فرصة لالتقاط الأنفاس.


ولم يتوقف الزلزال عند حدود السياسة، بل ضرب بعنف قلب الاقتصاد العالمي. "حرب الطاقة" اشتعلت فوراً، وتحولت ممرات الملاحة في الخليج إلى ساحة معركة اقتصادية، حيث قفزت أسعار النفط والغاز لمستويات قياسية بمجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز. ومع توقف إنتاج الغاز في منشآت كبرى وإعلان حالة الطوارئ في أسواق الطاقة، بات العالم يواجه كابوساً اقتصادياً قد يرفع الأسعار إلى أربعة أضعاف خلال أسابيع قليلة إذا طال أمد الصراع. هذا الاضطراب لم يرحم أحداً؛ فشلت حركة الطيران في المنطقة، وتضاعفت كلفة الشحن والتأمين، واهتزت بورصات العالم تحت وطأة "شظايا" هذه الحرب التي تجاوزت الميدان العسكري لتطال رغيف الخبز وفواتير الكهرباء في قارات بعيدة.


بين وعود ترمب بتحقيق "سلام جديد" عبر القوة، وتهديدات طهران برد غير مسبوق يشمل خنق الملاحة الدولية، يجد الشرق الأوسط نفسه في مهب الريح. إنها مواجهة لا يحكمها زرّ الإطفاء التقليدي، بل تقودها إرادات متصادمة في عالم بات يدرك، أكثر من أي وقت مضى، أن أي انفجار في طهران هو في الواقع هزة أرضية تصيب الاقتصاد والأمن في كل بيت حول العالم.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال