واشنطن وطهران في مواجهة حرب اللاعودة


دخل الصراع الأمريكي الإيراني منعطفاً تاريخياً وعسكرياً غير مسبوق مع حلول عدة أيام من الحرب، حيث لم تعد لغة الدبلوماسية تجد مكاناً لها وسط هدير الطائرات وصيحات الحرب القادمة من واشنطن، وتصريحات القادة الإيرانيين التي تؤكد أنهم استعدوا لهذه اللحظة لعقود. في مشهد يعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط، يبرز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كقائد لا يخشى كسر القواعد التقليدية، معلناً صراحة أنه لا يتردد في إرسال موجات بشرية من القوات البرية إلى الداخل الإيراني، ضارباً عرض الحائط بكل التحذيرات التي تشبّه إيران بالعراق أو أفغانستان. ومع ذلك، يواجه ترامب في الداخل عاصفة من الاتهامات بتجاوز صلاحياته الدستورية، وتجاهل المؤسسات التشريعية في اتخاذ قرار الحرب، مما يخلق شرخاً سياسياً في واشنطن يتزامن مع اشتعال الميادين العسكرية.


وعلى الجبهة المقابلة، تبدو طهران وكأنها كانت تنتظر هذه المواجهة لتقديم "عرض قوة" أذهل المراقبين الدوليين، بمن فيهم خبراء عسكريون مثل سكوت ريتر، الذي رأى أن الرد الإيراني فاق كل التوقعات من حيث الدقة والكثافة. وبينما تحاول الإدارة الأمريكية تصوير المعركة كجولة تأديبية سريعة، يخرج مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني ليؤكد ببرود سياسي أن بلاده "مستعدة تماماً" لعكس ما تروج له واشنطن، في إشارة واضحة إلى أن النفس الطويل سيكون السمة الغالبة لهذا الصراع. ومن جانبه، أطلق وزير الحرب الأمريكي تحذيراً مبطناً لم يخلُ من الاعتراف بصعوبة المهمة، حين شدد على أن إيران ليست العراق، في إقرار ضمني بأن الجغرافيا الإيرانية والقدرات التسليحية لطهران تفرض واقعاً عسكرياً مغايراً تماماً لما واجهته القوات الأمريكية في عام 2003.


هذه الحرب، التي وصفتها صحيفة التايمز بأنها "الأكثر فتكاً وتعقيداً ودقة" في العصر الحديث، لا تدور رحاها في الميدان العسكري فحسب، بل تحولت إلى زلزال اقتصادي وسياسي عالمي. فالأحداث المتسارعة في يومها الثالث تظهر أن العالم يقف على شفا هاوية، حيث تتداخل المصالح الكبرى بين أمريكا والصين وإسرائيل، وتتحول فيه الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة إلى أدوات لرسم موازين قوى جديدة. يرى المحلل توماس فريدمان أن رؤيته للحرب الحالية تنطلق من كونها صراعاً على الهيمنة في قرن جديد، حيث لا يمكن التنبؤ بنهاية هذا الحريق الذي بدأ في طهران ووصلت شرارته إلى بورصات العالم ومراكز القرار في بكين وتل أبيب، مما يجعل من هذه المواجهة الاختبار الحقيقي الأخير لقدرة القوة العسكرية التقليدية على حسم صراعات القرن الحادي والعشرين.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال