في مشهد لم يكن يتخيله أكثر المتفائلين قبل سنوات قليلة، استقبل قصر باكنغهام الملكي في لندن الرئيس السوري أحمد الشرع، في لقاء مع الملك تشارلز الثالث تجاوز البروتوكول ليحمل اعترافاً بريطانياً صريحاً بالواقع السياسي الجديد في دمشق. هذه الزيارة التي بدأت بلقاء ملكي وانتهت بنقاشات استراتيجية في معهد "تشاتام هاوس"، لم تكن مجرد جولة دبلوماسية، بل كانت إعلاناً عن ملامح "سوريا الجديدة" التي تحاول الموازنة بين إرث الصراعات وطموحات التنمية.
الرسالة الأبرز التي حملها الشرع من قلب العاصمة البريطانية كانت "الحياد المسلح"؛ حيث أكد بوضوح أن دمشق لن تكون طرفاً في الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، مشدداً على أن بلاده ستبقى خارج دائرة الحرب ما لم تُستهدف مباشرة. هذا الموقف تزامن مع كشفه عن تعثر المفاوضات مع إسرائيل، وإعلانه الصريح عن سياسة سورية جديدة تمنع تهريب الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله في لبنان، مما يشير إلى تحول جذري في العقيدة الأمنية السورية نحو "السيادة الوطنية" أولاً.
وعلى الصعيد العسكري، رسم الشرع خارطة طريق لإنهاء التواجد الأجنبي بصيغته القديمة؛ إذ كشف عن خطة لتحويل القواعد الروسية في سوريا إلى مراكز تدريب للجيش السوري، بالتوازي مع دمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في هيكلية الجيش الوطني. هذه الخطوة، التي جاءت بعد تفاهمات مع واشنطن، تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء حالة الانقسام العسكري التي نهشت البلاد لسنوات.
اقتصادياً، لم تعد لندن تكتفي بالدعم اللفظي؛ فقد أعلنت الحكومة البريطانية عن تخصيص 140 مليون جنيه إسترليني لدعم قطاعات التعليم والمعيشة في سوريا هذا العام. هذا الدعم، كما أوضحت المتحدثة باسم الحكومة البريطانية جوسلين وولار، يأتي كاستجابة للانفتاح السوري على الاستثمارات الدولية وتقليل التهديدات الإرهابية، مؤكدة أن التعاون مع دمشق بات يقوم على المصالح المشتركة دون إملاءات أو شروط مسبقة، مع التركيز على ملفات الهجرة والأمن.
أما في الداخل السوري، فقد وضع الشرع سقفاً زمنياً للتحول الديمقراطي، معلناً عن بدء جلسات مجلس الشعب الشهر المقبل كخطوة أولى في الدستور الانتقالي الذي يمتد لخمس سنوات. وفي رسالة طمأنة للمجتمع السوري بمختلف أطيافه، أكد أن الدولة لن تتدخل في الخيارات الدينية أو الاجتماعية للمواطنين، بل سيكتفي دورها بتطبيق القانون، مع التزام صارم بملف "العدالة الانتقالية" لمحاسبة مرتكبي الجرائم السابقة بعيداً عن روح الانتقام.
ختاماً، تبدو جولة الشرع الأوروبية، التي شملت برلين ولندن، وكأنها عملية "إعادة تعارف" بين سوريا والعالم؛ حيث تراهن دمشق على جذب الشركات الأوروبية (مثل سيمنس الألمانية) لإعادة الإعمار، مقابل ضمان عودة طوعية وآمنة للاجئين، الذين عاد منهم بالفعل أكثر من مليون و300 ألف شخص، في محاولة لإغلاق ملف اللجوء نهائياً وتحويله إلى قوة اقتصادية دافعة لبناء دولة ديمقراطية مستقرة.
