دبلوماسية "الشرع" في أوروبا: من ملفات الهجرة والأمن في برلين ولندن إلى عقود الطاقة الكبرى


شهدت الجولة الأوروبية للرئيس السوري أحمد الشرع تحولاً جذرياً في مسار العلاقات السورية-الدولية، حيث انتقلت من حيز التباحث السياسي إلى مربع التفاهمات الإجرائية والعقود الاقتصادية الضخمة. بدأت الجولة من العاصمة الألمانية برلين، حيث تصدر ملف اللاجئين السوريين المشهد، وصولاً إلى لندن التي ركزت على التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب، وتخللها الإعلان عن صفقات كبرى في قطاع الطاقة وإعادة الإعمار.


في برلين، كانت الأرقام والوقائع هي سيدة الموقف؛ حيث ناقش الرئيس الشرع مع المستشار الألماني أولاف شولتس ملف عودة السوريين المقيمين في ألمانيا، وسط بيانات تشير إلى أن 80% منهم لديهم رغبة في العودة حال توفر الضمانات. ولم يتوقف الأمر عند الجانب الإنساني، بل شهد "منتدى الأعمال الألماني السوري" توقيع حزمة من الاتفاقيات التي وصفت بالتاريخية، حيث تم الإعلان عن توقيع 47 مذكرة تفاهم واتفاقية شملت مجالات الطاقات المتجددة وتأهيل البنية التحتية.


أبرز هذه العقود كان مع شركة "سيمنس" (Siemens) الألمانية، ويهدف لتوليد 5000 ميجاواط من الكهرباء، مقسمة بين 4000 ميجاواط من الطاقة الغازية و1000 ميجاواط من الطاقة المتجددة (شمسية وريحية). وصرح وزير الاقتصاد السوري المرافق للوفد بأن هذه الخطوات تمثل إعادة دمج حقيقية لسوريا في النظام الاقتصادي العالمي، مشيراً إلى أن نتائج المنتدى "فاقت التوقعات" ووضعت حجر الأساس لشراكة اقتصادية طويلة الأمد.


المحطة الثانية للرئيس الشرع كانت في لندن، حيث استقبله رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في مقر الحكومة بـ "داونينغ ستريت". ركزت المباحثات اللندنية بشكل مكثف على ملفي "الهجرة غير الشرعية" و"مكافحة الإرهاب". واتفق الجانبان على تفعيل بروتوكولات أمنية لملاحقة شبكات تهريب البشر عبر القنوات الدولية، وبحث التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط. ستارمر أكد خلال اللقاء على أهمية التنسيق مع دمشق لضمان استقرار المنطقة، معتبراً أن التعاون في ملفات الأمن والحدود يمثل أولوية مشتركة للبلدين.


بهذه الزيارة، تكون دمشق قد نجحت في ربط الاستقرار السياسي بالانفتاح الاقتصادي؛ فبينما كانت برلين بوابة للعقود التقنية الكبرى في مجال الطاقة وإعادة الإعمار، كانت لندن محطة لتعزيز التنسيق الأمني والسياسي. وتؤكد هذه الجولة أن المرحلة المقبلة ستشهد ترجمة عملية لهذه الاتفاقيات على أرض الواقع، بما يخدم ملف عودة اللاجئين من جهة، وينعش قطاع الخدمات والطاقة في الداخل السوري من جهة أخرى.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال