شمال شرق سوريا.. حياة معلقة بين مطرقة التصعيد وسندان الأزمات المنسية


بينما تنشغل الخارطة السورية بتبدلات القوى السياسية، يجد المدنيون في مناطق الحسكة والقامشلي وأريافها أنفسهم في مواجهة مباشرة مع واقع يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، حيث لم تعد الحرب مجرد قصف ومواجهات، بل استحالت إلى تفاصيل يومية تخنق سبل العيش وتدفع الآلاف نحو المجهول في مناطق شمال شرق البلاد. في مدينة القامشلي، عاد القلق ليسكن جدران البيوت التي بدأت تشهد تصدعات مقلقة نتيجة عمليات حفر خنادق وأنفاق عسكرية تنفذها قوات سوريا الديمقراطية في أحياء مكتظة مثل "الهلالية" و"الصناعة" وغيرها. هذه التحركات الميدانية، التي تجري تحت جنح الليل أو خلف حواجز ترابية، لم تترك للأهالي سوى الخوف من انهيارات أرضية قد تبتلع ممتلكاتهم، في ظل غياب أي توضيحات رسمية أو تعويضات عن الأضرار التي لحقت بأساسات منازلهم، مما جعل الشعور بانعدام الأمان يتجاوز خطر الرصاص ليصل إلى ثبات الأرض تحت أقدامهم.


هذا التوتر الميداني في المدن لا ينفصل عن المشهد القاتم في أرياف المنطقة، وتحديداً في ريف الحسكة الشمالي، حيث تحولت قرى مثل "الدردارة" و"القبور" و"أم الكيف" إلى مناطق شبه مهجورة بعد موجات نزوح جماعي فرضها التصعيد العسكري المستمر. فالعائلات التي صمدت لسنوات تحت القصف، وجدت نفسها أخيراً مجبرة على الرحيل بحثاً عن ملاذ آمن، تاركة خلفها أرزاقاً وبيوتاً تحولت إلى ركام أو نقاط عسكرية. ولم يكن حال النازحين في المخيمات المنتشرة في شمال شرق سوريا بأفضل حال، ففي مخيم العريشة، يبدو أن فصول المعاناة تقترب من نهاية مأساوية مع تزايد الحديث عن احتمال إغلاق المخيم وتوزيع قاطنيه على مخيمات أخرى، بعد أن عاد مئات العراقيين إلى بلادهم، ليبقى النازح السوري هناك يواجه مصيراً غامضاً وخيارات ضيقة بين العودة إلى قراه المدمرة أو البقاء في حالة من التشرد الدائم.


وفي عمق هذه الأزمات الإنسانية والميدانية، تبرز معضلة المعتقلين والمفقودين كجرح نازف في خاصرة المنطقة لا يجد من يضمد جراحه، حيث تواصل عائلات الروابط والمنظمات الحقوقية نداءاتها دون جدوى، وسط حالة من التسويف المستمر في ملفات المعتقلين لدى القوى المسيطرة في شمال شرق سوريا. إن غياب الحلول السياسية والضمانات الحقوقية جعل من حياة السكان في هذه المناطق رهينة لسياسات الأمر الواقع، حيث تتداخل الصراعات العسكرية مع الأزمات المعيشية لتخلق مشهداً مأساوياً يطغى عليه النزوح والفقر وفقدان الأمل في استقرار قريب، ما يجعل من مناطق الجزيرة السورية ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، في ظل تجاهل دولي وحقوقي لما يعانيه الإنسان هناك بعيداً عن أضواء الكاميرات وطاولات التفاوض.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال