لم يكن يوم الأحد 26 نيسان يوماً عادياً في الذاكرة السورية المثقلة بالجراح؛ فقد شهدت أروقة المحاكم والدوائر الأمنية في دمشق تحركات بدت وكأنها زلزال يضرب جدار الصمت الذي استمر لسنوات. إن مشهد توقيف "جزار التضامن" أمجد يوسف، الذي ارتبط اسمه بواحدة من أبشع المجازر المصورة، وتزامن ذلك مع انطلاق محاكمة عاطف نجيب، وضع الشارع السوري أمام تساؤلات كبرى حول ماهية هذه الخطوات وتوقيتها. هذه اللحظة الفارقة تضعنا أمام تساؤل جوهري حول ما إذا كانت العدالة الانتقالية قد بدأت بالفعل في شق طريقها الوعر وسط ركام الحرب، محملة بآمال عريضة وتحديات لا يستهان بها.
في حي التضامن، حيث اختلطت الدماء السورية بالفلسطينية في واحدة من أبشع المجازر التي وثقتها العدسات، لم يكن اعتقال أمجد يوسف مجرد نصر معنوي، بل كان كشفاً للمستور عما ارتكبه هذا "الجزار" من فظائع تجاوزت حدود الخيال الإنساني. إن دلالات هذا الاعتقال في هذا التوقيت بالذات تفتح الباب واسعاً أمام قراءات سياسية وحقوقية متعددة، فبينما يرى البعض فيها خطوة جادة لفتح "دفاتر الحساب" القديمة، يخشى آخرون أن تكون مجرد مناورة لامتصاص الغضب الشعبي والدولي. لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن صراخ الضحايا الذين أُلقوا في حفر التضامن بات اليوم يتردد صداه في قاعات المحاكم، معيداً تذكير العالم بأن الحقوق لا تموت بالتقادم.
وعلى جبهة أخرى لا تقل سخونة، تأتي محاكمة عاطف نجيب في دمشق كفصل جديد من فصول استعادة الذاكرة ومحاسبة المسؤولين عن الشرارات الأولى للاحتجاجات. دموع أمهات شهداء درعا، تلك الدموع التي كانت وقوداً للتغيير، تلاحق اليوم نجيب في عقر الدار، لتمتزج مشاعر الحزن ببارقة أمل في تحقيق قصاص عادل. إن انطلاق هذه المحاكمة وبث تصريحات المحامي العام بدمشق حولها، يعطي انطباعاً بأن السلطة القضائية تحاول ترتيب البيت الداخلي والرد على المطالبات المستمرة بالعدالة، وهو ما يضع نزاهة هذا المسار تحت مجهر الرقابة الشعبية قبل الدولية.
إن ما يحدث اليوم في سوريا من فتح ملفات الجزارين والسفاحين، هو اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على تضميد جراحه من خلال بوابة القانون. ورغم التفاؤل الحذر الذي يسود الأوساط الحقوقية، تظل التحديات جسيمة؛ فهل يمكن استعادة الثقة في منظومة العدالة؟ وهل ستكون هذه المحاكمات بداية حقيقية للمصالحة الوطنية المبنية على المحاسبة لا على النسيان؟ إن هذه الخطوات القضائية تضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية، فإما أن تؤسس لدولة الحق والمؤسسات التي ينشدها الضحايا، أو تبقى مجرد محاولات لترميم واجهة تصدعت بفعل سنوات طوال من الألم، بانتظار ما ستؤول إليه أحكام المطارق والقضاة.
