مع تسارع وتيرة الأحداث في سوريا مابعد سقوط النظام، بدأت تتكشف ملامح مرحلة جديدة من المحاسبة لم تكن لتحدث خلف الجدران الموصدة لسنوات طويلة، حيث تصدرت أخبار إلقاء القبض على اللواء عدنان حلوة، أحد أبرز الوجوه المتهمة بالتورط في ملف السلاح الكيماوي، واجهة المشهد الحقوقي والسياسي. هذا الرجل، الذي ارتبط اسمه لسنوات بـ "مركز الدراسات والبحوث العلمية" وبوحدات عسكرية كانت الرأس الحربة في هجمات الغوطة الشرقية عام 2013، بات اليوم في قبضة القوى الأمنية، مما يفتح الباب على مصراعيه لاستعادة تفاصيل واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في العصر الحديث.
إن عملية توقيف حلوة، الذي كان مدرجاً على لوائح العقوبات الأمريكية ومطلوباً للعدالة الدولية، لا تمثل مجرد اعتقال لمسؤول عسكري رفيع، بل هي بمثابة وضع اليد على مخزن من الأسرار التي طالما حاول النظام إخفاءها أو طمس معالمها. وبالتوازي مع هذا الصيد الثمين، تأتي التحقيقات المسربة مع طياري النظام لتضيف قطعاً جديدة إلى "البازل" الدموي، حيث كشفت الاعترافات الأولية عن آلية صدور الأوامر المباشرة من رأس الهرم، بشار الأسد، لتنفيذ عمليات قصف عشوائي ومنهجي لم تفرق بين هدف عسكري وتجمع مدني، وهو ما يؤكد أن سياسة "الأرض المحروقة" لم تكن مجرد قرارات ميدانية معزولة، بل استراتيجية مركزية مدروسة بعناية.
ما يميز هذه المرحلة من التحقيقات هو انتقالها من التوثيق الحقوقي الخارجي إلى المواجهة المباشرة مع الجناة على الأرض السورية. فشهادات الطيارين واعترافات المسؤولين عن الملف الكيماوي ترسم صورة واضحة لتراتبية القتل، وكيف كانت التعليمات تنساب من القصور الرئاسية لتتحول إلى غازات سامة وبراميل متفجرة تحصد أرواح الآلاف. هذه التطورات تعيد الاعتبار لضحايا المجازر الذين انتظروا لسنوات أن يروا جلاديهم خلف القضبان، كما أنها تبعث برسالة قوية بأن الحصانة التي تمتع بها هؤلاء الضباط لعقود قد انتهت إلى غير رجعة، وأن الصمت الذي كان يغلف المؤسسة العسكرية قد انكسر أمام هول الحقائق التي بدأت تظهر للعلن.
إن نجاح القوى الأمنية في الوصول إلى شخصيات بهذا الثقل العسكري والأمني يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية لدعم مسار العدالة الانتقالية في سوريا. فالأدلة التي يتم جمعها اليوم من خلال الاستجوابات والوثائق التي صودرت، لا تخدم فقط السردية الوطنية السورية، بل تشكل مادة قانونية دسمة للمحاكم الدولية مستقبلاً. ومع كل اعتراف جديد يدلي به طيار أو خبير كيماوي، تضيق الحلقة أكثر حول الدائرة الضيقة التي أدارت البلاد بالحديد والنار، ليبقى السؤال الأهم ليس عن كيفية السقوط، بل عن حجم الفظائع التي ستكشفها الأيام القادمة في أروقة التحقيق المفتوحة.
