دمشق وكييف.. شراكة عابرة للمحاور ومشاريع كبرى تعيد رسم دور سوريا الإقليمي


في خطوة حملت أبعاداً دراماتيكية غير مسبوقة في المشهد السياسي الإقليمي والدولي، استقبلت العاصمة السورية دمشق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها، تعكس رغبة متبادلة بين القيادتين السورية والأوكرانية في القفز فوق الحواجز التقليدية وبناء تحالفات استراتيجية تتجاوز موروثات الحقبة الماضية. هذه الزيارة التي جمعت زيلينسكي بالرئيس أحمد الشرع، لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل جاءت كمحاولة جادة لإعادة تموضع البلدين في خارطة النفوذ الدولي، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة ومساعي دمشق الحثيثة لتنويع شراكاتها الدولية وفك العزلة التي أحاطت بها لسنوات.


المباحثات التي دارت في دمشق، وتناوب عليها كبار المسؤولين من الجانبين، كشفت عن رغبة سورية واضحة في استثمار الخبرات الأوكرانية في مجالات حيوية، حيث تصدرت ملفات الدفاع والتعاون العسكري التقني طاولة الحوار. دمشق التي تسعى لتحديث منظومتها الدفاعية وتأمين احتياجاتها الأمنية، وجدت في كييف شريكاً يمتلك التكنولوجيا والدافع السياسي لتعزيز هذا التعاون. وفي المقابل، يرى زيلينسكي في الانفتاح على سوريا بوابة هامة لتعزيز حضور بلاده في منطقة الشرق الأوسط، وإيجاد منافذ جديدة للاقتصاد الأوكراني بعيداً عن ضغوط الصراعات المباشرة في أوروبا، مما يجعل من هذه الزيارة "اختباراً لفيينا في دمشق"، من حيث قدرة العاصمة السورية على لعب دور الجسر الدبلوماسي بين الشرق والغرب.


وعلى الصعيد الاقتصادي واللوجستي، تجاوزت المحادثات الأطر العامة لتصل إلى مشاريع ملموسة تهدف لتحقيق أمن غذائي وصناعي مشترك؛ إذ كشفت المصادر عن توجه استراتيجي لإنشاء مركز إقليمي ضخم للحبوب والأسمدة في سوريا، مستفيداً من القدرات الإنتاجية الأوكرانية العالية وموقع سوريا الجغرافي. ولم يتوقف الأمر عند الإنتاج فحسب، بل امتد ليشمل تطوير شبكات الربط السككي (الخطوط الحديدية) وتحديث البنية التحتية للموانئ السورية، لتتحول دمشق إلى عقدة مواصلات ومنصة تصدير دولية تربط البحر المتوسط بالعمق الإقليمي. كما شملت المباحثات تطوير قطاع الفوسفات السوري، وهو الملف الذي يحمل أهمية اقتصادية كبرى في مرحلة إعادة الإعمار وتنمية الموارد الوطنية، مما يمنح سوريا فرصة ذهبية لتعزيز استقرارها الاقتصادي عبر شراكات تقنية متطورة.


لكن بعيداً عن صفقات السلاح وأطنان القمح والسكك الحديدية، تحمل الزيارة رسالة سياسية بليغة للعالم أجمع؛ فالرئيس أحمد الشرع أكد من خلال هذا اللقاء أن سوريا ماضية في سياسة "توسيع العلاقات الدولية" وكسر القوالب الجاهزة التي حاولت حصر الدبلوماسية السورية في محاور ضيقة. إن نجاح دمشق في حماية جسورها الدبلوماسية يعتمد اليوم على قدرتها على التوازن بين حلفائها التقليديين وشركائها الجدد، وهو ما يبدو أن القيادة السورية تتقنه بحذر شديد. فاستقبال زيلينسكي في هذا التوقيت بالذات هو بمثابة إعلان عن "سوريا الجديدة" التي تبحث عن مصالحها الوطنية أولاً، وتسعى لترسيخ سيادتها من خلال الانفتاح المدروس، مما يجعل من هذه الزيارة نقطة تحول قد تغير الكثير من الحسابات في أروقة السياسة الدولية تجاه دمشق ومستقبل دورها في المنطقة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال