في خطوة وصفت بأنها تحول جذري ومفصلي في المشهد السياسي الإقليمي، أعلن المجلس الأوروبي من بروكسل إنهاء التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون مع سوريا واستعادة العلاقات التجارية الكاملة، فاتحاً بذلك الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بعد سنوات طويلة من القطيعة. هذا التطور الدراماتيكي الذي تزامن مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني للعاصمة البلجيكية، جاء ليرسل إشارة سياسية واضحة حول التزام الاتحاد الأوروبي بدعم مسار التعافي السوري والمساهمة الفاعلة في إعادة بناء مؤسسات الدولة، لا سيما بعد التغييرات العميقة التي شهدتها البلاد عقب سقوط النظام السابق أواخر عام 2024.
ولم يقتصر التحرك الأوروبي على الجانب الدبلوماسي فحسب، بل امتد ليشمل خطوات عملية ملموسة، حيث كشفت مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس عن رفع العقوبات عن وزيري الداخلية والدفاع السوريين، أنس خطاب ومرهف أبو قصرة، في بادرة تهدف إلى "تطبيع" العلاقات وتعزيز الثقة المتبادلة. وفي السياق ذاته، أعلنت المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا شويتسا، عن حزم مالية ضخمة لدعم الحكومة السورية، بدأت بمساهمة فورية بقيمة 14 مليون يورو لتأهيل المنشآت الصحية، تتبعها حزم استثمارية تصل قيمتها إلى 355 مليون يورو خلال العام الجاري، وهو ما يهدف إلى تحفيز القطاعين العام والخاص وتشجيع البنوك الأوروبية على الانخراط في الاقتصاد السوري، مما يمهد الطريق لعودة اللاجئين السوريين بظروف لائقة.
من جانبه، حمل الوزير الشيباني من بروكسل رؤية سوريا الجديدة التي تسعى لبناء شراكات استراتيجية قائمة على السيادة والمصالح المتبادلة، مؤكداً أن دمشق اليوم تختلف عما كانت عليه قبل عام ونصف، حيث تركز حالياً على تعزيز النسيج الاجتماعي تحت سقف الدولة دون تمييز بين أكثرية وأقلية. وأوضح الشيباني أن بلاده تنظر إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج كشركاء أساسيين في مرحلة الاستقرار، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الحوار مع الجانب الإسرائيلي، الذي جرى بوساطة أمريكية، لم يصل بعد إلى نتائج ملموسة، مع تمسك سوريا باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 ورفضها لأي تدخل في شؤونها الداخلية أو مساس بسيادتها على أراضيها، بما في ذلك هضبة الجولان المحتلة.
وعلى الصعيد الإقليمي، لم يخلُ حراك دمشق من رسائل تجاه الجوار، حيث عبّر الشيباني عن قلقه من الأوضاع في لبنان وتأثير الميليشيات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، في حين أشاد في الوقت نفسه بالتنسيق الاقتصادي المتزايد مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام. إن هذا الحراك المتسارع في بروكسل، وما رافقه من إعادة تفعيل للاتفاقيات الاقتصادية، يعكس قناعة أوروبية متزايدة بأن استقرار سوريا وتعافيها يمثل ركيزة أساسية لأمن المنطقة وأوروبا على حد سواء، مما يضع سوريا على أعتاب مرحلة انتقالية كبرى تتجاوز فيها إرث النزاع نحو بناء مؤسسات وطنية قوية واستعادة دورها الفاعل في المجتمع الدولي.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن ما تشهده أروقة بروكسل اليوم ليس مجرد إجراءات إدارية لرفع عقوبات أو تفعيل اتفاقيات تجارية، بل هو اعتراف بواقع سياسي جديد يتشكل في المنطقة. إن الرهان الأوروبي على دعم التعافي الاقتصادي السوري يعكس إدراكاً بأن استقرار القارة العجوز مرتبط بشكل وثيق باستقرار دمشق، خاصة في ملفات شائكة كالهجرة وأمن المتوسط. ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي أمام السوريين والأوروبيين معاً في كيفية تحويل هذه "النوايا السياسية" والوعود المالية إلى مشاريع ملموسة على الأرض، تضمن سيادة الدولة وتلبي طموحات السوريين في بناء وطن جامع يتجاوز آلام الماضي ويرسم ملامح مستقبل يقوم على الشراكة الندّية لا التبعية.
