معركة "السيادة المؤسساتية" في مواجهة عواصف الميدان بالحسكة


تعيش مدينة الحسكة هذه الأيام على وقع حراك مكثف يهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق المؤسساتية والسياسية في المنطقة، حيث تتداخل المساعي الحكومية لتفعيل المنظومة القضائية مع التحضيرات لانتخابات مجلس الشعب، وذلك في ظل تعقيدات ميدانية واحتجاجات أعقبت محاولات إعادة افتتاح القصر العدلي. ففي خطوة وُصفت بأنها تمهيدية لاستلام الحكومة السورية للمبنى وتفعيل العمل القضائي فيه، زار وفد من الفريق الرئاسي برئاسة الدكتور مصطفى عبدي ورفقة قيادات من الأمن الداخلي مقر القصر العدلي، تزامناً مع إعادة تركيب لوحته التعريفية، إلا أن هذه الخطوة اصطدمت بموجة من التوتر الميداني أدت إلى قيام مجموعة تُعرف بـ "الشبيبة الثورية" بإنزال وتخريب اللافتة للمرة الرابعة على التوالي، احتجاجاً على تغيير لغة اللوحة من الكردية إلى الإنكليزية إلى جانب العربية، مما خلق حالة من الشحن الشعبي في محيط المبنى ترافق مع ممارسات مسيئة للرموز الوطنية.


وفي سياق متصل، أكد المتحدث باسم الفريق الرئاسي لتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني مع "قسد"، أحمد الهلالي، أن وزارة العدل لم تتسلم القصر العدلي حتى الآن رغم تلقي الحكومة وعوداً متكررة بهذا الشأن، معتبراً أن بعض الجهات التي وصفها بـ "مثيري الشغب" تعمل على عرقلة جهود استكمال الاتفاق وتجنيب المنطقة المخاطر. وأوضح الهلالي أن المطلوب من "قسد" العمل على تهيئة بيئتها الشعبية لتقبّل عملية الدمج وتعزيز الانتماء الوطني، مشيراً إلى وجود غياب تام لرموز الدولة السورية وأعلامها داخل مناطق سيطرة "قسد". وضمن إجراءات بناء الثقة، كشف الهلالي أن الحكومة أفرجت حتى الآن عن 232 من المنتسبين إلى "قسد"، معلناً عن دفعة جديدة ستخرج نهاية الأسبوع الجاري قد تكون "الأخيرة". كما اعتبر الهلالي أن المرسوم رقم 13 يشكل مدخلاً مهماً لتثبيت حقوق الكرد، مؤكداً أنهم سيكون لهم "صوت مسموع" داخل البرلمان السوري.


هذا التوتر الميداني لم ينفصل عن المشهد السياسي العام، حيث أكدت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أن هذه الاضطرابات لن تفرمل العجلة الانتخابية في المحافظة، وأوضح المتحدث باسم اللجنة نوار نجمة أن الإجراءات تسير بشكل إيجابي لاستكمال تمثيل الحسكة والرقة في البرلمان، مشيراً إلى انتهاء مهلة الطعون والبدء باختيار الهيئات الناخبة لضمان شغل المقاعد العشرة المخصصة للمحافظة وفق المرسوم رقم 143 لعام 2025. وفي محاولة لضبط إيقاع الشارع، وجه محافظ الحسكة نور الدين أحمد نداءً صريحاً لأبناء المحافظة، وخصوصاً فئة الشباب، بضرورة التحلي بالمسؤولية الوطنية والابتعاد عن أي ممارسات من شأنها تأجيج الأوضاع، محذراً من أن أعمال التخريب التي طالت محيط القصر العدلي هي تصرفات مرفوضة تضر بمصلحة المجتمع وتعطل مصالح الناس.


وبينما كانت المدينة تشهد هذا السجال، استمر الجانب الإنساني في التحرك عبر انطلاق قافلة عودة جديدة تضم نحو 1200 عائلة من أهالي عفرين النازحين في الحسكة باتجاه قراهم بريف حلب بإشراف الفريق الرئاسي وتنسيق أمني مباشر، وهو ما أسهم في إخلاء ثماني مدارس وعدة منشآت حكومية كانت تُستخدم كمراكز إيواء. وتأتي هذه القافلة ضمن مسار تدريجي مستمر منذ مطلع آذار الماضي، شهد ذروته في 14 نيسان بتحرك قافلة ضمت 800 عائلة، وقبلها في 4 نيسان بوصول 200 عائلة من القامشلي، لترسم الحسكة بذلك مشهداً معقداً يراوح بين الإصرار على استعادة الدور المؤسساتي والسياسي الكامل وبين عوائق الميدان وتجاذباته.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال