سوريا بين جرد الركام وجرد الجوع.. سباق تثبيت الملكية في مواجهة غياب الرغيف


من الركام الذي يغلف شوارع داريا إلى الموائد التي بدأت تفتقد حتى الرغيف المدعوم، ترتسم ملامح قاسية للواقع السوري الحالي، حيث يتقاطع المسار القانوني لإعادة تنظيم المدن مع واقع إنساني مرير تفرضه الأزمات التمويلية الدولية. ففي الوقت الذي تحاول فيه الجهات المحلية في ريف دمشق البدء بملف إزالة الأنقاض الشائك، تأتي صدمة تقليص المساعدات الأممية لتضع ملايين السوريين أمام تحدي البقاء في مدن دمرتها الحرب واستنزفتها سنوات الانتظار.


البداية كانت من إعلان محافظة ريف دمشق شمول مناطق واسعة في مدينة داريا بأحكام القانون رقم 3 لعام 2018، وهي خطوة تهدف في ظاهرها التنظيمي إلى إزالة مخلفات الدمار وتثبيت ملكيات المواطنين في الأحياء الأكثر تضرراً مثل "الجمعيات" و"سكينة" و"طريق المعامل". هذا التحرك القانوني يضع الأهالي والوكلاء أمام سباق مع الزمن، حيث لم تمنح السلطات سوى 30 يوماً لتقديم طلبات تثبيت الحقوق و90 يوماً لإنجاز عمليات الجرد والتقييم. ورغم أن القرار يطمح لفتح باب التعافي في مدينة فقدت نحو 43% من مساكنها وفق تقارير البنك الدولي، إلا أن كلفة الإعمار والبنية التحتية المتهالكة تبقى العائق الأكبر أمام عودة الحياة إلى طبيعتها في مدينة كانت يوماً تعج بنحو 350 ألف نسمة.


وعلى الضفة الأخرى من المعاناة، لا يبدو أن السقف الذي قد يُرمم قريباً سيجد تحته ما يكفي من الغذاء، إذ أطلق برنامج الأغذية العالمي صرخة استغاثة معلناً تقليص مساعداته بنسبة وصلت إلى 50%. هذا التراجع الدراماتيكي في الدعم الدولي، الذي أدى لحرمان أكثر من 650 ألف شخص من حصصهم الغذائية ووقف دعم الخبز اليومي لملايين السوريين، يعكس فجوة تمويلية هائلة تهدد بانهيار الاستقرار الاجتماعي. فبينما تبحث العائلات في داريا عن أوراق تثبيت ملكية جدرانها المتصدعة، تجد نفسها في مواجهة جوع حاد يطال أكثر من 7 ملايين شخص في البلاد، وسط تحذيرات أممية من أن تقليص العمليات من 14 محافظة إلى 7 فقط سيؤدي حتماً إلى "لحظة حرجة" قد تطيح بكل ما تحقق من مكاسب إنسانية طفيفة خلال السنوات الماضية.


إن المشهد السوري اليوم يبدو كسباق بين محاولات التنظيم العمراني وانهيار الأمن الغذائي؛ فإزالة الأنقاض من شوارع داريا هي خطوة ضرورية لكنها تظل ناقصة ما لم تقترن بقدرة المواطن على تأمين لقمة عيشه. ومع حاجة البرنامج الأممي لنحو 189 مليون دولار لتفادي الكارثة القادمة في أواخر 2026، يبقى السوريون عالقين بين مطرقة القوانين التنظيمية التي تحاول لملمة شتات العقارات، وسندان الفقر الذي يهدد بإفراغ تلك البيوت من سكانها قبل أن تُرمم.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال