بين طموحات "الدمج" وصراع "السيادة".. الحسكة فوق صفيح التفاهمات الهشة


تواجه محافظة الحسكة فصلاً جديداً من فصول التوتر الميداني والسياسي، يعكس بوضوح تعثر مسار "الاندماج" بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). فبينما تتحدث أروقة السياسة عن تفاهمات واتفاقات دمج للمؤسسات، ترسم الوقائع على الأرض صورة مغايرة، بطلها التصعيد الميداني ومحاولات فرض "الأمر الواقع" قبل أن تكتمل ملامح الترتيبات النهائية.

آخر فصول هذا التوتر تمثلت في اقتحام عناصر من "الشبيبة الثورية" التابعة لحزب العمال الكردستاني لمبنى محافظة الحسكة، ورفع علم الحزب فوقه، في خطوة تأتي وسط حالة من الاحتقان الشعبي والإداري. هذا التصعيد لم يكن معزولاً عن سياق أوسع، إذ سبقه اقتحام متكرر للقصر العدلي والاعتداء على لافتته التعريفية احتجاجاً على اعتماد اللغة العربية وحدها فيها. ورغم أن الفريق الحكومي برئاسة أحمد الهلالي حاول امتصاص الغضب بالتأكيد على أن اللغة الكردية "لغة وطنية" يُسمح بتدريسها، إلا أن التمسك بمركزية اللغة العربية في المؤسسات السيادية ظل حجر عثرة أمام طموحات الفعاليات الكردية التي ترى في ذلك تراجعاً عن مكتسباتها الهوياتية.


وعلى خط موازٍ لهذه الصراعات الرمزية والسيادية، تبرز أزمة من نوع آخر تتعلق بـ "اقتصاد العقود"، حيث كشفت مصادر محلية عن مسارعة بلديات تابعة لـ "الإدارة الذاتية" لمنح عشرات المرافق والحدائق العامة لمستثمرين مقربين منها بعقود طويلة الأمد تصل إلى عشر سنوات. هذه الخطوة يراها مراقبون محاولة استباقية لفرض واقع استثماري وقانوني يعقد مهمة الحكومة السورية في حال استعادتها السيطرة الكاملة على هذه المؤسسات، مما يحول الأملاك العامة إلى عبء قانوني ومالي لا يمكن حله بسهولة. سكان المنطقة، لا سيما في القامشلي، عبروا عن تذمرهم من تحول المتنفسات الخضراء والحدائق إلى مطاعم وكافتيريات خاصة، مما يحرم الطبقات الفقيرة من مرافقها المجانية في ظل ظروف معيشية قاسية.


ومع ذلك، لا تزال نافذة الحوار تفتح ثغرات صغيرة في جدار الأزمة؛ إذ يبشر المتحدث باسم الفريق الرئاسي، أحمد الهلالي، بقرب إنهاء ملف معتقلي "قسد" قبل حلول عيد الأضحى، كبادرة حسن نية تهدف إلى تبريد الأجواء. كما يبرز "المرسوم رقم 13" الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع كأداة قانونية لمحاولة معالجة ملفات شائكة وقديمة مثل "إحصاء 1962" ومنح الجنسية للمكتومين، وهي قضايا ظلت لعقود جرحاً نازفاً في النسيج الاجتماعي للمنطقة.


لكن تبقى عقدة "السيادة" هي المحك الحقيقي؛ فالحكومة السورية تصر على أن القصر العدلي والمؤسسات الرسمية رموز سيادية لا تخضع للتفاوض اللغوي أو الإداري، بينما تسعى أطراف في "قسد" و"الشبيبة الثورية" إلى تثبيت نموذج إداري مغاير. وبين هدوء التصريحات الرسمية التي تَعِد بالدمج، وضجيج الاقتحامات وعقود الاستثمار المتسارعة، تظل الحسكة ساحة لاختبار قدرة الأطراف السورية على صياغة عقد اجتماعي وإداري جديد ينهي سنوات من الانقسام، أو الانزلاق مجدداً نحو مواجهات قد تقوض كل ما تم بناؤه على طاولة المفاوضات.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال