فتحت صناديق الاقتراع أبوابها صباح الأحد في محافظتي الحسكة وحلب لتسدل الستار على واحدة من أكثر المراحل الانتخابية ترقباً في سوريا، حيث جرت عمليات التصويت لاختيار أعضاء مجلس الشعب عن دوائر الحسكة، والقامشلي، والمالكية، بالإضافة إلى دائرة عين العرب (كوباني). هذه الانتخابات التي تأجلت في وقت سابق بسبب تحديات أمنية ميدانية، جاءت هذه المرة ضمن أجواء وُصفت رسمياً بأنها نتاج تفاهمات وحوار إيجابي، في حين استقبلها الشارع المحلي بمزيج من الحذر والأمل في تغيير ملموس.
العملية الانتخابية التي جرت عبر آلية الهيئات الناخبة، حسمت مقاعد الدوائر الأربع، حيث شهدت دائرة المالكية فوزاً بالتزكية بعد ترشح شخصين فقط للمقاعد المخصصة لها، بينما شهدت الدوائر الأخرى تنافساً بين عدد من المرشحين أمام هيئات ناخبة ضمت مئات الأعضاء. وقد أعلن المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات عن نجاح العملية، مشيراً إلى أن نسبة المشاركة في الحسكة بلغت نحو 97 في المئة، معتبراً إياها خطوة محورية في مسار الاندماج الوطني الذي يهدف إلى ترسيخ ركائز الدولة السورية الجديدة.
وعلى الرغم من التأكيدات الرسمية بأن هذه الانتخابات تمثل "ثمرة للاتفاقات" وتمنح أهالي المنطقة فرصة للمشاركة في صناعة القرار الوطني، إلا أن المشهد لم يخلُ من انتقادات سياسية؛ إذ اعتبرت بعض الأحزاب الكردية أن آلية تشكيل المجلس لا تعبّر عن الإرادة الحرة، منتقدة حصر التمثيل الكردي في عدد محدود من المقاعد، ومطالبة بتمثيل يتناسب مع الثقل السكاني للمكون الكردي.
وفي أزقة الحسكة وساحاتها، تبدو تطلعات السكان مختلفة قليلاً عن لغة البيانات الرسمية. فبعيداً عن الأرقام والنتائج، يرى المواطنون في هذه الانتخابات اختباراً حقيقياً للمنتخبين الجدد. موظفون ومعلمون وطلاب، ممن التقتهم الصحافة عقب إعلان النتائج، أجمعوا على أن التحدي الأكبر لا يكمن في العملية الانتخابية بحد ذاتها، بل في قدرة هؤلاء النواب على نقل الملفات الخدمية العالقة إلى أروقة المجلس في العاصمة. فالحديث عن الاستقرار الإداري وتوفير فرص العمل، وتحسين الواقع التعليمي والصحي، هو الشغل الشاغل للناس الذين أنهكتهم سنوات من التعقيدات الأمنية والإدارية.
ومع إعلان أسماء الفائزين في الدوائر الأربع، مثل إبراهيم مصطفى العلي وعمر عيسى الهايس عن دائرة الحسكة، وفرهاد أنور شاهين وشواخ إبراهيم العساف عن دائرة عين العرب، وغيرهم من الممثلين عن القامشلي والمالكية، تتجه الأنظار الآن نحو الجلسة الأولى لمجلس الشعب المنتظر عقدها بعد عطلة عيد الأضحى. ومع استمرار شغور مقاعد محافظة السويداء وعدم اكتمال "الثلث الرئاسي" المعين، يبقى التساؤل قائماً لدى الشارع السوري في شمال وشرق البلاد: هل ستكون هذه النتائج مجرد إجراء سياسي استُكملت فيه أركان المجلس، أم ستتحول إلى أداة فاعلة لتحسين الحياة اليومية للمواطن الذي ينتظر منذ زمن طويل أن يرى انعكاساً ملموساً لأي حراك سياسي على واقع معيشته؟.
بين آمال السكان في "تحرك فعلي" لتحسين الخدمات، والتطلعات الرسمية لترسيخ الاندماج الوطني، تطوي الحسكة وكوباني صفحة الانتخابات، بانتظار أن يثبت العمل التشريعي في المرحلة المقبلة ما إذا كان صوت هذه المناطق سيُسمع بوضوح تحت قبة المجلس، أم سيظل رهينة للتحديات التي فرضتها سنوات الصراع الطويلة.
