تعيش محافظة الحسكة في هذه الأيام حالة من الحراك المكثف على أكثر من صعيد، حيث تتسارع الخطوات الرامية لدمج المحافظة ضمن منظومة الدولة السورية عبر تفاهمات ميدانية باتت تترجم إلى إجراءات تنفيذية ملموسة. وبينما تحمل هذه التطورات في طياتها مؤشرات على انفراجة إدارية وخدمية، يبقى الواقع الخدمي واللوجستي يفرض تحديات كبيرة لا تزال تلقي بظلالها على حياة الأهالي.
على الجانب الإداري، بدأت ملامح عودة المؤسسات الرسمية تتضح من خلال استكمال التحضيرات اللوجستية والأمنية للانتخابات التشريعية في الحسكة وعين العرب، مع اعتماد مراكز انتخابية رسمية في أبنية تابعة لإدارة المحافظة والمراكز الثقافية. هذا المسار الانتخابي يتزامن مع تحركات سياسية لافتة لطي ملف المعتقلين، حيث توجت التفاهمات بين الحكومة و"قسد" -بإشراف فريق رئاسي- بالإفراج عن دفعات متتالية من الموقوفين، في خطوة تهدف إلى ترسيخ السلم الأهلي وتخفيف الاحتقان المحلي، مع وجود توجه واضح لدى الدولة لإغلاق هذا الملف نهائياً وفق مقاربة توازن بين البعد الإنساني ومتطلبات الأمن الوطني.
وفي القطاع التربوي، تخطو المحافظة نحو "توحيد المسار" عبر نقل نحو 19 ألف موظف تعليمي إلى نظام وزارة التربية وتثبيتهم، في عملية دمج هي الأكبر من نوعها تضمن بقاء جميع الكوادر في مواقع عملهم. ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه هذا القطاع، مثل تهالك 70% من الأبنية المدرسية ونقص التجهيزات الأساسية، إلا أن هناك مرونة واضحة في إدارة الملف؛ حيث تم التوافق على استمرار تدريس المنهاج الكردي كمرحلة انتقالية حتى عام 2028، بالتوازي مع منهاج وطني يتم إعداده بالشراكة بين دمشق والمكونات المحلية، مما يضمن استمرارية التعليم لأكثر من 700 ألف طالب، مع استكمال التحضيرات لامتحانات الصفين التاسع والثالث الثانوي في ست مدن توسعت لتشمل مناطق جديدة.
أما اقتصادياً، فقد انتقل الملف الزراعي من مرحلة "التخبط" إلى التخطيط المركزي؛ إذ تم إلغاء التعامل بنظام "شام كاش" لصالح المصارف الزراعية لضمان حقوق المزارعين، مع تجهيز 20 مركزاً لاستلام الحبوب. ولعل أبرز نقاط التنسيق الإيجابي تكمن في خطة الطوارئ المشتركة لمواجهة الحرائق، حيث تم تقليص المسافات بين نقاط الإطفاء لضمان سرعة استجابة لا تتجاوز خمس دقائق، وهو ما يعكس تعاوناً عملياً بين وزارة الطوارئ وبلديات "الإدارة الذاتية" لحماية الموسم الزراعي الذي يعد ركيزة أساسية لأمن المحافظة الغذائي.
إن هذه التحولات المتسارعة ترسم معالم مرحلة جديدة تتسم بالبراغماتية السياسية، إلا أن نجاحها يظل مرهوناً بقدرة الأطراف على تحويل "شراكة الضرورة" إلى استقرار مستدام. فالمسارات المتوازية من دمجٍ تربوي، وتنظيمٍ زراعي، وتسوياتٍ أمنية، لن تكتمل فصولها إلا بانتشال البنية التحتية من واقعها المتهالك، لتتحول الحسكة من منطقة إدارةٍ للأزمات إلى نموذجٍ لاستعادة التوازن بعيداً عن صخب التوترات التي أنهكت المحافظة طويلاً.
