في خطوة دبلوماسية بارزة تعكس ترتيب الأوراق الإقليمية بعد التحولات الجوهرية التي شهدتها الخارطة السورية، استقبلت العاصمة المصرية القاهرة، يوم الأحد، وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أول زيارة رسمية له منذ تسلمه منصبه. الزيارة التي لم تقتصر على الجانب الدبلوماسي فحسب، بل شملت شقاً اقتصادياً رفيع المستوى بحضور وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، حملت في طياتها رسائل سياسية واضحة حول رغبة البلدين في استعادة زخم العلاقات التاريخية وتنسيق المواقف تجاه الأزمات المشتعلة في المنطقة، بدءاً من الاعتداءات الإسرائيلية وصولاً إلى الملفات الدولية المعقدة.
المباحثات التي عقدت بين الشيباني ونظيره المصري بدر عبد العاطي، وبمشاركة وزراء الصناعة والاستثمار من الجانبين، كشفت عن رغبة حقيقية في تحويل التقارب السياسي إلى واقع ملموس، حيث توجت الاجتماعات بالإعلان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك يهدف إلى تنشيط حركة التجارة والاستثمار. وقد بدا واضحاً من خلال البيانات الرسمية أن القاهرة تسعى لتأكيد دورها كداعم أساسي لاستقرار "الدولة الوطنية" في سوريا، مع التركيز على ضرورة الحفاظ على مؤسساتها ورفض أي تدخل خارجي في شؤونها، وهي المبادئ التي شدد عليها الوزير المصري حين استعرض موقف بلاده الثابت تجاه تطلعات الشعب السوري وحماية نسيجه الوطني من مخاطر التفتت أو الإرهاب.
وعلى الصعيد الأمني والميداني، احتل ملف الانتهاكات الإسرائيلية صدارة المباحثات، حيث أعربت القاهرة عن رفضها القاطع والمباشر للممارسات الإسرائيلية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024. ووجه الجانب المصري انتقادات حادة لمحاولات تل أبيب استغلال المرحلة الانتقالية لفرض وقائع جديدة على الأرض أو احتلال مزيد من الأراضي السورية تحت ذرائع واهية. وأكد عبد العاطي ضرورة عودة إسرائيل للالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مشدداً على أن أمن المنطقة لا يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري، في رسالة تضامن قوية تعيد الاعتبار للثوابت العربية تجاه الصراع مع الاحتلال.
ولم تغب الملفات الإقليمية الكبرى عن طاولة النقاش، إذ استعرض الوزيران مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتأثيراتها المحتملة على المنطقة، بالإضافة إلى بحث سبل خفض التصعيد واحتواء حالة الاحتقان في لبنان. ويبدو من سياق هذه المباحثات المكثفة أن البلدين يسعيان لخلق جبهة تنسيق قوية قادرة على التعامل مع التغيرات المتسارعة، وضمان ألا تتحول سوريا إلى ساحة لتصادم المصالح الدولية أو منطلقاً لعدم الاستقرار، بل شريكاً فاعلاً في المنظومة الإقليمية الجديدة التي تتشكل ملامحها اليوم من قلب القاهرة.
التصنيف :
سياسة
