تشهد مناطق شمال وشرق سوريا حراكاً مكثفاً يتداخل فيه الاقتصادي بالخدمي والسياسي، حيث تسابق المؤسسات الزمن لتأمين احتياجات الموسم الزراعي المقبل، في وقت تزداد فيه الضغوط الشعبية جراء تدهور الأوضاع المعيشية وتكرار الحوادث الفنية التي تمس عصب الحياة اليومية للسكان. ففي دمشق، أعلنت المؤسسة السورية للحبوب عن استنفار تقني ولوجستي واسع استعداداً لموسم القمح لعام 2026، من خلال إطلاق منظومة رقمية تشمل منصات حجز مسبق للمزارعين وبرامج شراء إلكترونية تهدف لتسهيل عمليات التسويق. وما يبعث على التفاؤل في هذا السياق هو تقديرات الإدارة العامة للمؤسسة بأن سوريا قد لا تحتاج لاستيراد القمح هذا العام، نظراً للمؤشرات الإيجابية للموسم الزراعي ووصول الكميات المتوفرة حالياً إلى نحو مليون طن، رغم التحديات الهيكلية التي خلفتها سنوات الحرب والجفاف في البنية التحتية للصوامع والمستودعات.
إلا أن هذا التفاؤل الرسمي في ملف الغذاء يصطدم بواقع خدمي معقد في محافظة الحسكة، حيث تسببت أخطاء فنية وحوادث تلوث في تعميق معاناة الأهالي. ففي بلدة اليعربية، استيقظ سكان حي "شارع الخليج" على حادثة تسرب مواد بترولية إلى شبكة مياه الشرب، وهو ما بررته الجهات المحلية بحدوث عملية "شفط عكسي" ناتجة عن انقطاع مفاجئ للكهرباء أثناء قيام بعض السكان بتنظيف خزاناتهم أو صهاريج نفطية قريبة. ورغم تأكيدات مديرية الإعلام في الحسكة على احتواء الحادثة وتعقيم الشبكة، إلا أن مخاوف السكان لا تزال قائمة، وسط مطالبات باستبدال الأنابيب المتضررة بدلاً من الاكتفاء بالحلول الإسعافية، خشية استمرار الآثار الكيميائية للمواد المسربة.
هذه الأزمات الخدمية، مضافةً إليها قرارات "الإدارة الذاتية" الأخيرة برفع أسعار المحروقات بشكل حاد، فجّرت موجة من الاحتجاجات في مدينة القامشلي. حيث خرج العشرات في مظاهرات تندد بسياسات "التجويع" وارتفاع أسعار الأمبيرات وتكاليف النقل التي قفزت لمستويات قياسية بعد وصول سعر ليتر المازوت الزراعي والصناعي إلى أرقام غير مسبوقة. والمفارقة في هذه الاحتجاجات كانت في طبيعة المطالب، إذ لم يكتفِ المتظاهرون بالمطالبة بتحسين الرواتب ومكافحة الفساد، بل دعوا صراحة إلى الإسراع في دمج مؤسسات الإدارة الذاتية مع مؤسسات الدولة السورية وتفعيل دور الأخيرة في المنطقة لتخفيف التفاوت في الأجور وتوحيد أسعار السلع والخدمات الأساسية.
وفي خضم هذا الغضب الشعبي، لم تخلُ الساحة من توترات أمنية، وإن كانت الروايات حولها متضاربة. فبينما ضجت مواقع التواصل بأنباء عن اعتداء محتجين على مقار تابعة للأمن الداخلي في القامشلي، سارعت الجهات الرسمية للنفي، موضحة أن الأمر لم يتعدَّ تجمعاً لذوي موقوفين حول سيارة أمنية للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم، وهو ما يعكس هشاشة الوضع الأمني وحساسية ملف الاعتقالات في ظل الانقسام الإداري القائم.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، بدأ معبر ربيعة-اليعربية الحدودي مع العراق يكتب فصلاً جديداً في خارطة الطاقة الإقليمية، مع دخول أولى قوافل صهاريج الفيول والنفط الخام العراقي نحو الأراضي السورية. هذا التحرك، الذي يأتي ضمن تفاهمات بين بغداد ودمشق لتصدير المشتقات النفطية العراقية عبر الموانئ السورية نحو الأسواق العالمية، يُنظر إليه كاستجابة مباشرة للتصعيد الإقليمي وإغلاق مضيق هرمز. وبينما تأمل الهيئات الجمركية السورية أن يسهم هذا "الترانزيت" في تنشيط الحركة الاقتصادية وتأهيل الطرق الدولية، يبقى السؤال معلقاً لدى المواطن في الحسكة والقامشلي: هل ستنعكس هذه الصفقات الكبرى والخطط الزراعية الطموحة على مائدته اليومية، أم ستظل مجرد أرقام في جداول المؤسسات وقوافل عابرة لا تترك وراءها سوى غبار التضخم وأزمات الوقود؟
