تخيّل أن تكون بطلة شطرنج وطبيبة أسنان، تمتلك من الذكاء والحياة ما يكفي لتخطّ وصية هادئة، تطلب فيها التبرع بذهبها للأيتام، قبل أن تمتد يد الحرب وتنتزعك مع عائلتك من قلب منزلك في دمشق. هذه ليست قصة خيالية، بل هي المأساة المروعة للطبيبة السورية رانيا العباسي، التي عادت قضيتها لتتصدر المشهد السوري مؤخراً، محولةً الصدمة إلى حالة من الحزن الوطني العارم، بعد أن كشفت السلطات السورية الجديدة عن مقتل أطفالها الستة على يد الموقوف أمجد يوسف وجنود من جيش النظام السابق.
لم تكن قصة العباسي مجرد رقم في سجلات الحرب، بل رمزاً للإخفاء القسري الذي طال آلاف العائلات. ففي مارس 2013، داهمت قوات أمن النظام منزل العائلة في مشروع دمر بدمشق، ليختفي أثر الطبيبة وزوجها عبد الرحمن ياسين وأطفالهم الستة: ديمة وانتصار ونجاح وآلاء وأحمد وليان. ظل هذا الغموض يلف القضية لأكثر من عقد، قبل أن تقود خيوط التحقيقات والبحث، التي كثفتها "الهيئة الوطنية للمفقودين" المشكلة بعد سقوط النظام، إلى كشف مستورٍ هز الوجدان.
تجسدت المأساة في مقطع فيديو مسرب، صوره أمجد يوسف -العضو السابق في المخابرات العسكرية والمتورط في مجزرة التضامن- يظهر فيه وهو يدخل غرفة مظلمة، حيث وُجدت جثث أطفال صغار، وقد لُفّت أعناقهم بشرائط بلاستيكية سوداء في إشارة واضحة للخنق. وفي صوتٍ مسموع، ادعى يوسف أنه "انتقم" ممن أسماهم "مُمولي الإرهاب". ومع إعلان الهيئة الوطنية للمفقودين في الثلاثين من مايو الماضي التوصل لنتائج مؤكدة بوفاة الأطفال، بدأت تتكشف تفاصيل مؤلمة عن حياة عائلة أُبيدت بالكامل، بينما لا يزال مصير الطبيبة وجثتها، ومكان دفن أطفالها، غامضاً ومفتوحاً على كل الاحتمالات.
لم تمر هذه الحقيقة دون أن تثير عاصفة من الجدل حول توقيت وكيفية ظهور الأدلة. فقد أدى تضارب المعلومات حول وجود مقاطع فيديو بحوزة فرق استقصائية حقوقية، ومطالبات شقيق الطبيبة، إلى توجيه اتهامات بالتقصير أو الإخفاء، مما دفع الباحثين أوغور انغور وأنصار شحود لتوضيح موقفهم، مؤكدين أن الأدلة التي بحوزتهم لا علاقة لها بهذه الفيديوهات، وأنهم سلموا ما لديهم للجهات القضائية المختصة، معتبرين أن الاتهامات الموجهة إليهم تشهيراً غير مستحق.
من جانبها، حسمت "الهيئة الوطنية للمفقودين" مسار الأدلة، مؤكدة أنها تسلمت في 12 مايو 2026 حزمة من الفيديوهات من جهة حقوقية وسيطة، حصلت عليها بدورها من شقيقي الطبيبة اللذين عثرا على محتويات حاسوب أمجد يوسف في باريس. وقد دعت الهيئة إلى التعامل مع هذه القضية بمسؤولية أخلاقية عالية، بعيداً عن تداول الصور التي قد تنتهك كرامة الضحايا ومشاعر ذويهم.
ويأتي هذا الكشف ليعيد تسليط الضوء على حجم الفظائع المرتكبة خلال سنوات الحرب. فوفقاً لمدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، تُعد قضية العباسي نموذجاً للنمط الإجرامي الممنهج الذي تضمن الاعتقال، فالإخفاء، ثم القتل وإخفاء الرفات. وتُظهر بيانات الشبكة أرقاماً مفزعة، حيث وثقت مقتل ما لا يقل عن 30,686 طفلاً منذ عام 2011، يتحمل النظام السابق المسؤولية عن الغالبية العظمى منهم.
تبقى قضية رانيا العباسي وأطفالها جرحاً مفتوحاً في ذاكرة السوريين، تذكرنا بأن خلف كل "رقم" في إحصائيات المفقودين والمقتولين، قصة إنسانية، وأحلاماً وأحرف أسماء طلبت الطبيبة الاحتفاظ بها في وصيتها، قبل أن تضيع هي وأطفالها في ليل السجون والمقابر الجماعية، تاركين وراءهم ندبة لا تندمل في وجه التاريخ.
