في خطوة تعكس توجهاً استراتيجياً جديداً للإدارة الأميركية، أعلن الرئيس دونالد ترمب تعيين السفير الأميركي لدى تركيا، توم باراك، مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى كل من سوريا والعراق، مع احتفاظه بمنصبه في أنقرة. هذا القرار الذي جاء ليوسع نطاق مسؤوليات باراك الإقليمية، يأتي في وقت تشهد فيه المقاربة الأميركية تجاه هذه الملفات الحساسة حالة من إعادة الترتيب، حيث باتت واشنطن تراهن على دور أكبر لدول المنطقة في صياغة مساراتها الخاصة.
ويشدد باراك، الذي عرف بعلاقته الوثيقة بترمب، على أن السياسة الأميركية في المنطقة قد تغيرت بالفعل؛ فلم يعد الغرب هو من يفرض تصوراته، بل أصبحت دول المنطقة هي من ترسم أولوياتها، بينما يقتصر الدور الأمريكي على دعم الاستقرار وتعزيز توازن القوى. وتأتي هذه الرؤية متناغمة مع فلسفة ترمب القائمة على تشجيع الحلفاء على الاعتماد على الذات وتقاسم الأعباء الأمنية، تحت إشراف وتنسيق مباشر يمثله "أسلوب التواصل بين القادة" الذي يتبناه ترمب ويدعمه وزير خارجيته ماركو روبيو.
ورغم التغيير في التسمية الرسمية من "مبعوث خاص" إلى "مبعوث رئاسي خاص"، يرى مراقبون مثل الدبلوماسي بسام بربندي، أن الجوهر العملي للمهام يظل ثابتاً، حيث لا يزال باراك يعمل ضمن منظومة مؤسساتية أميركية دقيقة، متسلحاً باستراتيجية واضحة تهدف إلى كبح النفوذ الإيراني، ومحاربة فلول تنظيم "داعش"، وضمان عدم تحول سوريا إلى ساحة لاستهداف أمن المنطقة.
وفي الملف السوري تحديداً، يبتعد باراك عن التدخل في التفاصيل الداخلية، مفضلاً التركيز على قضايا الأمن الإقليمي ومكافحة شبكات المخدرات والكبتاغون. ومع أن عودة السفارة الأميركية إلى دمشق تظل بعيدة المنال في المدى المنظور بسبب التحديات الأمنية، إلا أن هناك مؤشرات على انفتاح دبلوماسي قد يتطور إلى افتتاح بعثات قنصلية أو إدارية، في حال استوفت دمشق المتطلبات الأمنية والسياسية التي تضعها واشنطن.
وبينما يتولى السفير الأميركي في بيروت ملف الوساطة بين لبنان وإسرائيل، يبرز توم باراك كمهندس لتوافق إقليمي يسعى لتحويل سوريا إلى ما وصفه بـ"مختبر لتحالف إقليمي جديد" قائم على الاندماج والدبلوماسية. هذا التوجه يأتي في مرحلة وصفتها واشنطن بأنها شهدت "تقدماً ملحوظاً" في سوريا، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الفني والأمني، تهدف في نهاية المطاف إلى استقرار دائم يعيد صياغة العلاقات بين دول المنطقة على أسس أكثر استقراراً وانفتاحاً.
