خلف جدران مشفى تشرين العسكري بدمشق، لم تكن تُمارس الطبابة بالمفهوم الإنساني، بل كانت تُدار عمليات "جزارة" ممنهجة، تجردت من كل ذرة أخلاق أو مهنية. لقد كشفت اعترافات صادمة لعدد من الأطباء الضباط تورطهم في واحدة من أكثر الجرائم بشاعة، حيث تحول معتقل كان لا يزال يتنفس وبكامل وعيه إلى "مخزن أعضاء" يُنتزع منه كبده ليزرع في جسد ضابط محسوب على النظام، في عملية انتهت بموت الضحية والمتلقي معاً.
هذه القضية التي تعود فصولها لعام 2019، تعيد تذكير السوريين والعالم بحجم التوحش الذي غلف أجهزة نظام بشار الأسد. لم تكن الجريمة مجرد سرقة أعضاء، بل كانت قتلاً عمداً مكتمل الأركان، حيث شارك فريق طبي كامل بدم بارد في استئصال عضو حيوي من معتقل لدى الفرع 215، وهم يدركون تماماً أن هذا الإجراء يعني إنهاء حياته فوراً. وما زاد المشهد قتامة هو أن التكليف بهذه العملية جاء من مستويات عليا، وتحديداً عبر مدير إدارة الخدمات الطبية اللواء عمار سليمان، الذي تشير التقارير إلى تلقيه تعليماته مباشرة من رأس النظام المخلوع، ليؤكد ذلك أن الإجرام كان نهجاً مؤسسياً لا فردياً.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، قوبلت هذه التفاصيل بموجة عارمة من الصدمة والغضب الشعبي. فقد رأى المغردون أن ما حدث يتجاوز حدود الفظاعة، واصفين الأطباء المشاركين بأنهم "جزارون" بزي طبي، وتساءل الكثيرون عن حجم الإجرام الذي قد يكون وقع في دهاليز الأفرع الأمنية بعيداً عن أعين الناس، إذا كان الأطباء الذين يفترض بهم أن يكونوا ملائكة رحمة قد تحولوا إلى أدوات للقتل والتنكيل. كما سخر البعض من المستوى المهني لهؤلاء الضباط الذين فشلوا في إنقاذ حياة المتلقي رغم استباحتهم لحياة الضحية، رابطين ذلك بالفساد الذي كان ينخر جسد الدولة ومؤسساتها التعليمية.
ومع إعلان النائب العام السوري عن تحريك دعوى الحق العام بتهم القتل العمد والتعذيب ضد المتورطين، تتجه الأنظار نحو مسار العدالة الانتقالية. هؤلاء الأطباء، وعلى رأسهم أحمد حسن اليقطان وإبراهيم عباس يزبك وغيرهم من الذين كشفت الوزارة أسماءهم، يمثلون الآن وجهاً من أوجه الحقبة المظلمة التي عاشتها سوريا. إن هذه المحاكمة ليست مجرد إجراء قانوني لإنزال العقاب بالقتلة، بل هي محاولة لتوثيق تاريخ من الانتهاكات الذي لا يمكن تجاوزه أو العفو عنه، فدم الضحايا الذي أُزهقت أرواحهم على طاولات العمليات في مشفى تشرين لا يزال يطالب بالعدالة، تماماً كما يطالب بها كل من اكتوى بنار هذا النظام.
