دمشق وباريس: حقبة جديدة من الشراكة الاستراتيجية ومرحلة ما بعد الحرب


في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في المشهد الجيوسياسي للمنطقة، استقبلت العاصمة السورية دمشق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارة رسمية وُصفت بالتاريخية، وهي الأولى من نوعها لرئيس فرنسي منذ ثمانية عشر عاماً، لتطوي بذلك سنوات طويلة من القطيعة والتوتر، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي بين البلدين.


بدأت الزيارة بدلالات رمزية عميقة، حيث أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي جولة في دمشق القديمة، شملت الجامع الأموي، في إشارة إلى استحضار الإرث الحضاري السوري، قبل أن ينتقلا إلى المباحثات الرسمية في قصر الشعب. وقد أكد الجانبان خلال اجتماعات موسعة أن هذه الزيارة تمثل محطة مفصلية لا تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية وتنموية واسعة، حيث شدد الرئيس الشرع على أن سوريا اليوم تفتح أبوابها لشراكة متكافئة تهدف إلى ترسيخ مكانتها كجسر اقتصادي وحضاري، معلناً في الوقت ذاته عن الاتفاق على تبادل السفراء بين دمشق وباريس كخطوة عملية لتعزيز العلاقات.


ولم تكن الجوانب السياسية وحدها حاضرة، إذ رافق الرئيس الفرنسي وفد رفيع المستوى من كبار مسؤولي الشركات الفرنسية الكبرى، مثل "توتال إنرجي" و"سي إم أي-سي جي أم". وقد تكللت المباحثات بتوقيع 15 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت قطاعات حيوية كالنقل البحري والجوي، والطاقة، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية، إضافة إلى ملف استعادة الأموال التي صادرتها فرنسا من عائلة الرئيس المخلوع بشار الأسد. ومن جانبه، ألمح الرئيس الفرنسي إلى إمكانية وجود شراكات قادمة تضم أطرافاً خليجية لدعم إعادة الإعمار، مشدداً على التزام بلاده بدعم استقرار سوريا وسيادتها، ومعرباً عن استعداد الشركات الفرنسية للاستثمار في مسارات حيوية، خاصة في قطاع الطاقة، حيث أشار الرئيس التنفيذي لشركة توتال إلى الدور الاستراتيجي الذي يمكن أن تلعبه سوريا كمسار بديل لنقل النفط في الشرق الأوسط.


وفي لفتة دبلوماسية وثقافية لافتة، شهدت الزيارة استعادة 23 قطعة أثرية سورية نادرة كانت معارة لمعهد العالم العربي في باريس منذ عام 2010، حيث نُقلت إلى دمشق على متن الطائرة الرئاسية الفرنسية، في خطوة اعتبرتها وزارة الخارجية السورية بداية لمسار متواصل لاسترداد المقتنيات الثقافية السورية من الخارج، وتجسيداً حقيقياً لمستوى التعاون الثقافي الجديد.


وإلى الجانب الرسمي، التقى الرئيس ماكرون ممثلين عن المجتمع المدني السوري، حيث تركزت النقاشات على ملفات إصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز حقوق الإنسان، وهو الملف الذي أكد ماكرون أهميته القصوى لضمان استقرار المرحلة الانتقالية. وبالتزامن مع هذه الأجواء التفاؤلية، لم يغب الملف الأمني عن المشهد، حيث أدان الطرفان الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، في وقت شددت فيه دمشق على عزمها المضي قدماً في مواجهة الإرهاب، ومحاسبة المتورطين في أي محاولات لزعزعة الأمن والاستقرار، مؤكدة أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة بناء وتنمية بعيداً عن سياسات العزلة.


تجسد هذه الزيارة التي أجراها الرئيس ماكرون إلى دمشق تحولاً استراتيجياً في مسار العلاقات الدولية، ليس فقط على مستوى العلاقات الثنائية بين سوريا وفرنسا، بل كرسالةٍ قويةٍ تعلن عن نهاية حقبة العزلة وبدء مرحلة التفاعل الإيجابي مع العالم. وبينما تمضي سوريا في مسار إصلاحاتها الداخلية وترسيخ مؤسساتها، تبدو الشراكة مع فرنسا حجر زاوية يربط بين إرادة السوريين في النهوض واحتياجات المنطقة للاستقرار؛ لتصبح دمشق بذلك رقماً صعباً في معادلة الاقتصاد العالمي وممرًا حيويًا يربط الشرق بالغرب، في إعلانٍ صريحٍ عن ولادة سوريا الجديدة التي تضع بناء الإنسان وتنمية الاقتصاد وحماية السيادة في مقدمة أولوياتها، متجاوزةً بذلك إرث الماضي لترسم ملامح مستقبل قائم على المصالح المشتركة والتعاون الدولي.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال