في تحوّل تاريخي لافت في مسار العلاقات الدولية، شهدت العاصمة التركية أنقرة، على هامش أعمال القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، لقاءً بارزاً جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرئيس السوري أحمد الشرع، في خطوة كرست الانفتاح غير المسبوق بين واشنطن والإدارة السورية الجديدة. وفي أجواء اتسمت بالإيجابية، جدد الرئيس ترمب تأكيده على صوابية قراره السابق برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، واصفاً إياه بـ "القرار العظيم" الذي شكّل دفعة هائلة للبلاد، معلناً في الوقت ذاته توجّه إدارته الفعلي لإزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو التصنيف الذي لازم دمشق لعقود طويلة.
ويرى المراقبون في هذا التوجه الأميركي تحولاً جذرياً؛ إذ أكد ترمب أن الوضع بات مستقراً جداً في سوريا، وأن الخطوات التي اتخذتها دمشق مؤخراً باتت تبرر مراجعة شاملة لملفها الأمني. هذا الإعلان يأتي تتويجاً لمسار بدأ بتوقيع الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً أنهى بموجبه برنامج العقوبات وإبطال "قانون قيصر"، ما يمهد الطريق لإنهاء عزلة سوريا عن النظام المالي الدولي والمساهمة في جهود إعادة الإعمار، مع الإبقاء فقط على إجراءات محدودة تستهدف رموز النظام السابق والمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.
وتعزز هذا الزخم السياسي بلقاء رفيع المستوى عقده الرئيس السوري في أنقرة مع وفد موسع من الكونغرس الأميركي، ضم شخصيات بارزة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وبحضور المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق توماس باراك. وقد وصف باراك اللقاء بـ "الشرف العظيم"، مؤكداً أن المباحثات عكست تسارعاً في العلاقات نحو "فصل جديد وقوي" قائم على الثقة المتبادلة والمصالح الاستراتيجية المشتركة. وأشار المبعوث الأميركي إلى أن سوريا باتت نقطة محورية في ديناميات الشرق الأوسط، حيث تسعى واشنطن لتعزيز الاستقرار الإقليمي بالتعاون مع دمشق، ملمحاً إلى وجود رؤية مشتركة فيما يخص التعامل مع ملف حزب الله، وهو الطرح الذي أكد ترمب أن سوريا يمكنها أن تلعب فيه دوراً فاعلاً.
وتأتي هذه الزيارة التي استضافتها تركيا بدعوة من الرئيس رجب طيب أردوغان، في توقيت دقيق تواصل فيه السلطات السورية مساعيها لبسط سيطرتها الكاملة على التراب السوري وإعادة تفعيل المؤسسات، مستندة إلى شبكة دعم دولية متنامية؛ حيث سبقت هذه المباحثات محادثات موسعة في دمشق مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تُوّجت بتوقيع اتفاقيات اقتصادية وتأكيد باريس دعمها الكامل للسلطات الجديدة. ومع هذه الخطوات المتسارعة، تبدو دمشق اليوم على أعتاب مرحلة سياسية مختلفة تماماً، تتحول فيها من دولة محاصرة دولياً إلى شريك إقليمي تستقطب عواصم القرار العالمي لإعادة رسم ملامح الاستقرار في الشرق الأوسط.
إن هذه الخطوات الجريئة من قبل الإدارة الأميركية، والمتمثلة في رفع العقوبات والتوجه نحو شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لا تمثل مجرد إجراءات دبلوماسية عابرة، بل تعكس قناعة أميركية متزايدة بأن التوازنات الجديدة في المنطقة تمر حكماً عبر دمشق. ومع استعادة سوريا لزمام المبادرة في ملفاتها الداخلية والخارجية، وتنامي التنسيق الاستراتيجي مع القوى الفاعلة، يبدو أننا أمام منعطف تاريخي يخرج البلاد من دائرة العزلة التي فرضتها سنوات الصراع، ليفتح آفاقاً جديدة لمستقبل سياسي يُعاد فيه بناء دور سوريا كلاعب أساسي لا غنى عنه في صياغة استقرار الشرق الأوسط.
