تستيقظ محافظة دير الزور هذه الأيام على تحولات متسارعة ترسم ملامح مرحلة جديدة من التعافي الخدمي والبيئي، وتضعها مجدداً على خارطة الاهتمام المحلي والدولي. وبين التدفقات المائية القادمة من الشمال، والخطوات البيئية للحد من التلوث، وانتعاش حركة الملاحة الجوية بعد سنوات من العزلة، تعيش المنطقة الشرقية مشهداً يجمع بين اليقظة لمواجهة المتغيرات الطبيعية والاندفاع نحو تنظيم القطاعات الإستراتيجية.
على ضفاف نهر الفرات، تبدو حركة المياه اليوم أكثر صخباً مع الارتفاع التدريجي في منسوب النهر، والذي وصل إلى نحو 70 سنتيمتراً نتيجة تدفق المياه من سد كديران بريف الرقة. هذا الارتفاع يأتي في ضوء الارتفاع المستمر في كميات المياه الواردة عبر الحدود التركية والتي تجاوزت 1300 متر مكعب في الثانية، وسط توقعات باستمرار هذه الزيادة حتى نهاية الشهر الحالي. أدى هذا الوضع إلى رفع حالة الاستنفار لدى الكوادر الفنية في المؤسسة العامة لسد الفرات، والتي تتابع على مدار الساعة مناسيب البحيرات والكميات المصرفة ضماناً لسلامة المنشآت. وفي الوقت الذي أكدت فيه جهات الاستجابة الطارئة أن الوضع يبقى تحت السيطرة بفضل أعمال التدعيم السابقة، جددت وزارة الطاقة تحذيراتها لأهالي الرقة ودير الزور بضرورة توخي الحذر والابتعاد تماماً عن مجرى النهر وعدم السباحة فيه تجنباً لأي مخاطر ناجمة عن سرعة التيار وزيادة المنسوب.
بالتوازي مع التحديات المائية، تمكنت المنطقة من إغلاق واحد من أعقد الملفات البيئية والصحية التي أرهقتها لسنوات طويلة؛ إذ أعلنت الشركة السورية للبترول عن الانتهاء الكامل من إزالة جميع الحراقات النفطية البدائية في المحافظة. وتأتي هذه الخطوة تكميلاً لإنجاز مماثل شهدته محافظة الرقة في حزيران الفائت، ضمن خطة متدرجة شملت مصادرة وإتلاف المعدات المستخدمة في التكرير البدائي. وتهدف هذه الإجراءات إلى وضع حد للتلوث البصري والبيئي ووقف الضرر الصحي الذي لحق بالسكان، والانتقال بالمحافظة إلى مرحلة تنظيم العمل النفطي وفق معايير أفضل للسلامة العامة وحماية الموارد الطبيعية.
ولم تقتصر ملامح التغيير على الأرض والمياه، بل امتدت إلى السماء التي بدأت تفتح أجوائها أمام حركة الطيران التجاري بشكل غير مسبوق. فبعد أيّام قليلة من هبوط أولى رحلات شركة "الجزيرة الكويتية" في مطار دير الزور الدولي مستعيدة ربط المنطقة بالخليج العربي بعد انقطاع دام نحو 15 عاماً، تستعد المحافظة لاستقبال أولى رحلات ناقل جوي أوروبي في تاريخها التجاري. إذ أعلنت شركة "LEAV Aviation" الألمانية عن تسيير رحلات منتظمة ومباشرة بين مدينتي كولن ودير الزور بمعدل رحلة أسبوعياً اعتباراً من أيلول المقبل. وتأتي هذه الخطوة لتسهم في فك الحصار والعزلة عن أبناء المنطقة الشرقية والمغتربين، وتفتح أفقاً جديداً للتواصل الاجتماعي والاقتصادي بين سوريا وأوروبا، متوجةً جهود إعادة دير الزور إلى موقعها الطبيعي على خارطة النقل الجوي.
