ترتيبات أمنية وسياسية تنهي ملف "قسد" وتُعيد بسط الدولة


تشهد منطقة شمال شرقي سوريا تسارعاً ملحوظاً في الخطوات الميدانية والسياسية الرامية إلى إعادة بسط سلطة الدولة وتوحيد المؤسسات، ضمن مسار يتجه نحو إنهاء الأطر العسكرية والإدارية المنفصلة وتتويج اتفاق 29 كانون الثاني. وتأتي هذه التحركات في وقت تجاوزت فيه نسبة إنجاز دمج وتفعيل المؤسسات الرسمية في محافظة الحسكة 70 في المئة، بالتوازي مع قطع شوط كبير في حسم الملفات العسكرية المعقدة والتغلب على غالبية العقبات التنفيذية.


وفي هذا السياق، شهدت محافظة الحسكة سلسلة اجتماعات مكثفة جمعت القيادات العسكرية والسلطات المحلية بالفريق الرئاسي المكلف بملف الدمج. فقد استقبل القائد العام لـ «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي المبعوث الرئاسي زياد العايش وقائد الفيلق الثاني عواد الجاسم، لبحث ملفات أمن واستقرار المحافظة، والتعامل مع الاعتداءات التي طالت المؤسسات الحكومية، ومعالجة قضايا المهجرين، فضلاً عن دفع جهود الدمج نحو الإتمام. وقد أثمرت اللقاءات عن التوصل إلى حزمة من الحلول والتفاهمات الإيجابية التي سادتها أجواء عمل جادة، وربطت بين تنفيذ الاتفاق وحل «قسد» وبين التقدم المحرز في دمج قواها الأمنية والعسكرية داخل مؤسسات الدولة الرسمية.


وتزامن ذلك مع تحركات خدمية ومتابعة ميدانية، حيث التقى محافظ الحسكة نور الدين أحمد، بحضور نائبه أحمد الهلالي، الوفد الرئاسي برئاسة زياد العايش لمتابعة تطبيق بنود الاتفاق وتلبية الاحتياجات الخدمية للأهالي. وتكتسب هذه الجهود أهمية مضاعفة كونها تأتي في أعقاب توترات شهدتها مدن عدة مثل القامشلي والحسكة وعين العرب وتل تمر، إثر حوادث واحتكاكات طالت عائلات عائدة إلى منطقة رأس العين، وما رافقها من أعمال تخريب أدت إلى فرض حظر تجوال مؤقت في بعض المناطق وإطلاق ملاحقات أمنية وتعليق رحلات العودة مؤقتاً لحماية المدنيين، قبل أن تدعو القيادات إلى ضبط النفس وحماية المنشآت المدنية والأمنية.


وعلى الصعيد الميداني والعسكري، كشف محمود برخدان، أحد قيادات «قسد» في عين العرب (كوباني)، عن اقتراب الإعلان الرسمي خلال أيام عن حل «وحدات حماية الشعب» (YPG) وإنهاء هيكلية «الإدارة الذاتية»، مؤكداً تجاوز أكثر من 99 في المئة من المشكلات المتعلقة بالاندماج مع الجيش والمؤسسات السورية، والوصول إلى مراحلها النهائية في نقل ملكية الآبار النفطية والمرافق العامة. وأوضح برخدان أن قرار الاندماج وبناء سوريا تحت راية وعلم وجيش واحد صار أمراً حتمياً لا رجعة عنه، مشيراً إلى أن العدد الفعلي لمقاتلي قسد يبلغ نحو 35 ألفاً أغلبهم من العرب، جرى دمج نحو 10 آلاف منهم بالفعل في صفوف الجيش السوري حتى الآن، مع توقعات بارتفاع الرقم إلى 12 ألفاً.


كما أشار برخدان إلى الانعكاسات المباشرة لمسار «تركيا خالية من الإرهاب» والتطورات الإقليمية على المشهد السوري، مشيداً بالخطوات السياسية الأخيرة وشجاعة القرار الداعي للسلام، معتبراً أن الأكراد مكون أصيل من نسيج المجتمع السوري ولا وجود لأي طروحات لانفصال أو قيام دولة مستقلة. ورغم بقاء بعض الملفات التفصيلية قيد البحث، كوضع «وحدات حماية المرأة» والمقاتلين من أصول تركية، تؤكد كافة المعطيات الميدانية والسياسية أن الأطراف تجاوزت خطوط العودة، متجهةً نحو مرحلة جديدة ترتكز على إعداد دستور جامع يحمي حقوق كافة المكونات ويطوي صفحة النزاع لصالح دولة المؤسسات والوطن المشترك.


ختاماً، تشير مجمل المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة مفصلية تتجاوز فيها منطق الانقسام والتجاذبات العسكرية. وبينما يمضي قطار الدمج وتفعيل المؤسسات نحو خط النهاية، يبقى الرهان الأكبر معقوداً على إرادة الأطراف في ترجمة التفاهمات إلى واقع ملموس، يُعيد الاستقرار والأمان للأهالي، ويؤسس لمستقبل تشاركي تتساوى فيه الحقوق والواجبات تحت مظلة الوطن الواحد.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال