في خطوة لافتة ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا، تلا قاضي محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، فخر الدين العريان، عبارة "باسم الشعب العربي في سوريا"، معلناً صدور حكم بالإعدام بحق وسيم الأسد، ابن عم الرئيس المخلوع بشار الأسد، بعد ثبوت إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتعود تفاصيل القضية إلى قيامه بتشكيل ومساندة مجموعات مسلحة غير نظامية بالتنسيق مع قيادات في الفرقة الرابعة، ونشاط هذه المجموعات الميداني الذي تركز في بلدة المليحة ومحيط الغوطة الشرقية، وما رافق ذلك من عمليات قتل وتصفية ميدانية وتعذيب خارج نطاق القضاء، إلى جانب أعمال السلب والنهب للـممتلكات المدنية فيما عُرف لاحقاً بأسواق "التعفيش".
ولم تقف قرارات المحكمة عند عقوبة الإعدام الصادرة بعد دمغ العقوبات المانعة للحرية عملاً بالمادة 204 من قانون العقوبات العام، بل شملت السجن لثلاث سنوات إضافية عن جرم الإيذاء القصد المفضي إلى عجز دائم، وثلاث سنوات أخرى وغرامة مالية عن جرم الاحتيال. وعلى الصعيد المالي والمدني، قَضت المحكمة بقلب الحجز الاحتياطي على أموال المحكوم عليه المنقولة وغير المنقولة إلى حجز تنفيذي، مع إلزامه بدفع التعويضات المدنية للضحايا والمدعين الشخصيين ومصادرة المتبقي لصالح الخزانة العامة. وفي المقابل، أعلنت الهيئة تبرئته من تهم تهريب وتجارة المواد المخدرة لعدم كفاية الأدلة المادية المباشرة، مع حفظ حق النيابة في إعادة فتح الملف حال ظهور معطيات جديدة مستقبلاً.
وقد حمل القرار بُعداً إنسانياً وتأسيسياً للعدالة، إذ أمرت المحكمة بإبقاء تدابير حماية الشهود سرية وحظر نشر أي بيانات تكشف هوّياتهم، كما أحالت نسخة رسمية من القرار إلى الهيئة الوطنية للمفقودين لتسهيل عمليات التنقيب عن رفات الضحايا المعتقد دفنهم في بساتين المليحة. وأكد رئيس المحكمة أن الأحكام اعتمدت مبدأ التكامل بين القضاء الوطني والقانون الدولي الجنائي لتوصيف الأفعال كجرائم حرب وضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم أو الحصانة، فيما أوضح مدير إدارة المساءلة بالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية رديف مصطفى أن تطبيق عقوبة الإعدام جاء متوافقاً مع التشريعات القانونية النافذة التي لا تملك المحاكم صلاحية إلغائها أو تعليقها.
وقد أثار هذا الحكم موجة واسعة من التفاعلات؛ حيث رأى رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن القرار يمثل خطوة أساسية لكسر الحصانة وتأكيد حقوق الضحايا، مشدداً على ضرورة استيفاء المعايير الصارمة للمحاكمات العادلة ونشر الحكم المعلل بالأدلة اليقينية. وعلى المنصات الافتراضية، تداول متابعون وصحفيون المشاهد المصورة للمتهم أثناء النطق بالحكم، معتبرين أن ملامحه الشاخصة تختصر التحول الكبير في المشهد السوري بعد سنوات من النفوذ وترهيب المدنيين، ومتأملين أن تتسق هذه الخطوة مع مسار العدالة الشاملة التي تطال كافة المتورطين في الانتهاكات بعيداً عن منطق الانتقام.
ختاماً، يُمثّل هذا الحكم القضائي بحق وسيم الأسد محطة مفصلية في التاريخ السوري الحديث، ليس فقط لكونه يُطوي صفحة أحد أكثر رموز النفوذ والترهيب جدلاً، بل لأنه يضع حجراً أساسياً في بناء مرحلة جديدة ترتكز على سيادة القانون وكسر قواعد الإفلات من العقاب. وبين القصاص القانوني واستحقاقات العدالة الانتقالية، يبقى الرهان الأكبر قائماً على قدرة المؤسسات القضائية الوطنية على تقديم نموذج عادل، شفاف، ومتوازن يضمن حقوق الضحايا، ويكشف مصير المفقودين، ويُؤسس لدولة العدالة بعيداً عن منطق الانتقام.
