خطت سوريا خطوة ميدانية مفصلية على طريق تثبيت الاستقرار وتأكيد سيادة الدولة في الشمال الشرقي، مع دخول قوات الأمن الداخلي وقوات المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينة الحسكة اليوم الثلاثاء. وتأتي هذه الحركة الميدانية لتترجم الاتفاقات السياسية الأخيرة إلى واقع ملموس، حيث تسلمت القوى الأمنية رسمياً معسكر الطلائع وعدداً من المقار والمراكز الأمنية، تمهيداً لمباشرة مهامها في حفظ الأمن وتعزيز الاستقرار بالمنطقة.
ولم تقتصر التحركات على الجانب الميداني فقط، بل ترافق الانتشار الأمني مع حراك إداري وتنظيمي مكثف؛ إذ عقد اجتماع أمني موسع في مبنى محافظة الحسكة لبحث استكمال توزيع قوى الأمن الداخلي في مواقعها، تلاه عقد أول اجتماع لأعضاء المكتب التنفيذي الجديد للمحافظة. وكان هذا الانتشار قد سُبق بلقاءٍ تنسيقي رفيع المستوى جرى أمس الاثنين بين محافظ الحسكة نور الدين أحمد ووفد من وزارة الدفاع ضم قيادات الأمن العسكري والشرطة العسكرية، لوضع الآليات الكفيلة بتوحيد الجهود وضمان حسن سير عملية دمج المؤسسات والجهات العسكرية والأمنية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية بالغة كونها تأتي تنفيذاً عمقياً للإعلان الصادر في الخامس والعشرين من أغسطس/آب الجاري، والذي أعلن فيه قائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي من قصر الشعب بدمشق انتهاء مهمة "قسد" وحلها كقوة عسكرية مستقلة واندماجها في مؤسسات الدولة والجيش السوري. وقد حظيت هذه الخطوة بصدى سياسي وإداري واسع، تجسد بصدور مرسوم رئاسي من الرئيس أحمد الشرع بتعيين عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، إلى جانب قرارات تربوية تعزز المكون الاجتماعي بالمنطقة عبر اعتماد تدريس اللغة الكردية في المدارس بالمناطق ذات الغالبية الكردية.
ويرى مراقبون وباحثون سياسيون أن بدء انتشار القوى الأمنية وتسلّمها لمقارها يتجاوز الإطار الروتيني؛ فهو يمثل الانتقال الحقيقي من ساحة البيانات السياسية إلى مرحلة القرار الميداني التنفيذي، مما يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على حصر السلاح بيد الدولة وبناء الثقة بين كافة أبناء المنطقة. وتأتي هذه التطورات لتنهي عقداً من الوجود العسكري المستقل شمال شرقي البلاد، مستندة إلى التفاهمات الشاملة التي أُعلنت اواخر يناير/كانون الثاني الماضي، وممهدة الطريق لاستعادة كامل وظائف الدولة الإدارية والأمنية والخدمية في المحافظة.
