الشرع يرسم ملامح سوريا الجديدة من نيويورك: الاندماج الوطني وإعادة هيكلة الجيش وحسم ملف السلاح


في ظهور سياسي بارز يعكس ملامح التحول الهيكلي الذي تشهده سوريا خلال مرحلتها الانتقالية، قدم الرئيس السوري أحمد الشرع رؤية شاملة لمستقبل البلاد السياسي والأمني والاقتصادي، وذلك خلال جلسة حوارية موسعة نظمها مشروع سوريا في المجلس الأطلسي بنيويورك، أدارها المسؤول الأميركي السابق والزميل في المجلس بريت ماكغورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وركز الحوار على استحقاقات بناء الدولة وحسم ملفات السلاح وتوازنات العلاقات الإقليمية والدولية بعد سقوط النظام السابق.


وفيما يتعلق بالمسار السياسي الداخلي ومستقبل نظام الحكم، كشف الشرع عن توجه دمشق لإنجاز صياغة الدستور الجديد قبل انتهاء المرحلة الانتقالية المحددة بخمس سنوات، موضحاً أن الاستحقاقات السياسية مرت بتدرج يبدأ بتثبيت الأمن، ثم عقد مؤتمر وطني شامل، وصولاً إلى إصدار الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة وانتخابات مجلس الشعب. وأكد أن المجلس الحالي بصدد تشكيل لجنة لمراجعة القوانين وأخرى لصياغة الدستور. وحول شكل السلطة، شدد الشرع على رفض نظام المحاصصة أو الكوتا العرقية أو الدينية لمنع تفكك البلاد على غرار التجربة العراقية، مع التركيز على تمثيل مختلف المكونات دون تقاسم دائم للمناصب. ورداً على استفسار من إبراهيم الأصيل حول تركيز الصلاحيات في الرئاسة خلال المرحلة الانتقالية، أوضح الشرع أن هذه الصلاحيات لا تشكل نموذجاً دائماً للحكم، وأن الهدف هو التأسيس لدولة قانون تتحول فيها مؤسسة الرئاسة مستقبلاً إلى جهة تنفيذية للقوانين الصادرة عن التشريعي. وعن مستقبله السياسي، لم يستبعد الشرع الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة بعد ثلاث سنوات إذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك، مشيراً إلى أن تركيزه الحالي منصب على خدمة الناس والتنمية، وأن الهروب من المسؤولية لا يقلل من حجم الواجب، معرباً في الوقت نفسه عن تطلعه الشخصي للراحة في حال وصول سوريا إلى بر الأمان. وفي ملف الإدارة المحلية والعلاقة بين دمشق والمحافظات، بيّن الشرع أن السلطات تعمل بموجب قانون الإدارة المحلية رقم 107 إلى حين مراجعته وتحديثه تحت قبة مجلس الشعب، مؤكداً أن التعيينات الحالية جرت وفق القوانين النافذة لحين تطويرها.


وعلى الصعيد الاجتماعي وعلاقته بالمكون الكردي وقوات سوريا الديمقراطية، أعلن الشرع أن المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، ومنها التعليم باللغة الكردية في مناطق وجودهم، سيتم إدراجه بشكل كامل في الدستور الجديد، وهو نافذ حالياً وتعمل وزارة التربية على تفاصيله التنفيذية. وفرّق الشرع بوضوح بين الأكراد كأحد المكونات أصيلة للمجتمع السوري وبين "قسد" كفصيل مسلح، معلناً حسم ملف "قسد" بصلحها واندماجها الكامل تحت مظلة الدولة السورية وانتهاء وجودها ككيان مستقل، مما مكن القوات الحكومية من فرض سيطرتها على المناطق التي انسحبت منها القوات الأجنبية، واصفاً خروج القوات الأميركية بأنه أنجح خروج آمن جرى عبر تفاهمات ودون صدامات مسلحة. وفي السياق الأمني والعسكري، تطرق الشرع إلى التحديات المتزامنة التي واجهت بناء المؤسسات بعد سقوط النظام، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تطلبت استيعاب أعداد كبيرة لمنع الفراغ الأمني قبل الاستكمال الكامل للمعايير، ما أدى لوقوع أخطاء وحوادث أمنية كحادثة مقتل جنديين أميركيين ومترجم في منطقة تطهير سابقة من تنظيم الدولة، إضافة لحوادث أخرى داخلية. وأكد أن المؤسسات الأمنية والعسكرية تجاوزت تلك المرحلة بعد عام ونصف لتصل إلى مستويات عالية من الاحترافية والتدريب بالاستعانة بخبرات دول صديقة.


وحول الملف الإسرائيلي والمفاوضات، كشف الشرع عن خوض مفاوضات مباشرة منذ نحو عام برعاية أميركية ودولية لم تخلُ من العقبات، حيث وصلت بعض جولاتها إلى نسبة 90% من الاتفاق قبل تراجع الجانب الإسرائيلي. وتتمسك دمشق بمسار مرحلي يبدأ بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي التي سيطرت عليها بعد 8 كانون الأول 2024 والعودة إلى خطوط اتفاق فصل القوات لعام 1974، تعقبه مناقشة الترتيبات الأمنية، ثم الانتقال في حال نجاحها إلى بحث "سلام دائم". وشدد الشرع على أن الجولان أرض سورية بموجب القرارات الدولية ولا مجال للتنازل عنها، مؤكداً أن الاستقرار لا يتحقق عبر الحروب والقصف واستهداف القصر الجمهوري أو المطار أو التوغلات الأمنية، بل عبر تنمية الاقتصادات واحترام سيادة الدول. كما استذكر جانباً من محادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بخصوص الجولان مشيداً بقراره التاريخي برفع العقوبات عن سوريا، ومؤكداً أن الجولان ملك لأهله ولا يحق لأي رئيس التصرف به.


أما بشأن الوجود العسكري الأجنبي وقواعده في البلاد، فأكد الشرع أن التوجه العام يهدف لإخلاء سوريا من القواعد الأجنبية واستعادة السيادة الكاملة. وفيما يخص الوجود الروسي، أوضح أنه تقلص من نحو 170 موقعاً إلى قاعدتين فقط، وتجري المباحثات في مرحلتها النهائية ضمن مذكرة تفاهم لتحويلهما إلى مراكز لتدريب الجيش السوري وإنهاء صفتهما التشغيلية أو اللوجستية الخارجية. وبالنسبة للوجود التركي شمال غربي البلاد، أشار إلى تجري مناقشة "التوصيف القانوني" له بالتنسيق مع أنقرة، مع اشتراط موافقة مجلس الشعب على أي وجود أجنبي وفق أطر قانونية واضحة.


وعلى مستوى العلاقات الإقليمية ودول الجوار، ركز الشرع على الملفين اللبناني والعراقي؛ ففي لبنان أكد دعم دمشق لتمكين الحكومة والمؤسسات الرسمية وحصر السلاح بيد الدولة والعمل على تنفيذ اتفاق الطائف لتجاوز آثار وتراكمات النظام السابق. وفي الملف العراقي، أشار إلى التنسيق مع الحكومة العراقية لضبط سلاح الجماعات والميليشيات الخارجية عن القانون، مؤكداً العمل على مشروع اقتصادي استراتيجي لتأمين ممر آمن لنقل المنتجات والنفط العراقي عبر الأنابيب السورية إلى الموانئ البحرية كبديل لمساري قناة السويس وباب المندب، مستعيدين بذلك خطوط التعاون القديمة. كما أشاد بالعلاقات المتميزة مع قيادة إقليم كردستان العراق، وخصوصاً مسعود ونيجيرفان ومسرور بارزاني، مشيراً إلى دورهم الفعال في دعم استقرار الوضع السوري وتسهيل عملية دمج "قسد".


واختتم الشرع حديثه بتناول ملف المفقودين وقضايا حقوق الإنسان، كاشفاً عن لقاء جمعه بوالدة الصحفي الأميركي المفقود أوستن تايس وترتيب لقاء لها مع والدته لنقل الأمل، مع تأكيد استمرار تقديم المعلومات الاستخبارية المتاحة للجانب الأميركي بشأن هذه القضية. وربط هذا الملف بالمعاناة الوطنية الشاملة لمصير نحو 250 ألف سوري مفقود من معتقلي النظام السابق، مشيراً إلى إنشاء هيئة الوطنية خاصة للبحث عن المفقودين والاستعانة بشركاء دوليين وخبراء في الطب الشرعي والتحقيق الجنائي لحسم هذا الملف الإنساني الثقيل.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال